العرف والتميز لأن ظاهره محال في حقه تَعَالَى، والْمُرَاد التعرف والتميز بين المخلوقات.
قوله: (بين ما طاب من الضمائر) أي السرائر جمع سريرة بمعنى السر وهو المكتوم
المخفي، والظَّاهر أن الْمُرَاد العقائد وهي التي أراد بقوله من الضمائر أي العقائد التي مضمرة
في القلب وكذا النيات والأخلاق.
قوله: (وما خفي من الْأَعْمَال) أي من أعين النَّاس مع أنه ظَاهر في نفسه فظهر الفرق
بين الضمائر وما خفي هنا وقد يستعمل كل منهما في مطلق المخفيات.
قوله: (وما خبث منها) أي من الضمائر وما خفي، والْمُرَاد بالخبث الردي وبالطيب
الجيد، والْمُرَاد بهما هنا ما يخالف الشرع وما يوافقه؛ إذ الجيد والخبث الردي يختلفان
بالْإضَافَة كالْإضَافَة إلَى المال والأشخاص والْأَعْمَال.
قوله: (وهو ظرف لرجعه) إذ الْمُرَاد باليوم الزمان الممتد الشامل لوقت الرجعة وغيره
فلا إشكال بأن ابتلاء السرائر وتميزها بعد الرجعة؛ إذ الظَّاهر هُوَ عند الحساب، وأما الْقَوْل
بأنه حِينَئِذٍ يلزم الفصل بين المصدر ومعموله بأجنبي فمدفوع بأن الظَّرْف كالحميم يسوغ فيه
ما لا يجوز في غيره عَلَى أنه لا فصل في الرتبة؛ إذ القادر لكونه عاملًا في حكم المتقدم
وأَيْضًا الفصل ليس بأجنبي لأن لقادر عامل في (عَلَى رَجْعِهِ) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
العقائد والنيات وغيرها وما أخفي من الْأَعْمَال. وبلاؤها. تعرّفها وتصفحها، والتمييز بين ما طاب منها
وما خبث. وعن الحسن أنه سمع رجلا ينشد:
سيبقى لها في مضمر القلب والحشا ... سريرة ودّ يوم تبلى السّرائر
فقال: ما أغفله [عما] في (وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ) ؟ قيل يعني يشتغل بالشدائد ولا يتفطن
لها؛ إذ لو تعقل قَوْلُه تَعَالَى: (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ(9) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (10) .
لشغله عن هذه المحبة لكنَّه ذهل عن تلك الشئون حتى تكلم بهذا. واختلفوا في نصب (يَوْمَ تُبْلَى)
قال صاحب الكَشَّاف: إنه منصوب بـ رجعه. وقيل لا يجوز ذلك للفصل بين الصلة
والموصول بقوله: (لقادر) ولا ينتصب أَيْضًا بقوله: (لقادر)
لأنه تَعَالَى قادر في كل الأوقات فإذن ينتصب بمضمر دل عليه قوله: (رجعه)
أي تبعثه يوم تبلى السرائر، وإن شئت بمضمر دل عليه قوله: (فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ)
يوم تبلى السرائر. ومنع أبو البقاء أن يكون منصوبًا بـ رجعه للعلة الْمَذْكُورة وأجاز
أن يكون منصوبًا بـ قادر، ويمكن أن يقال: إن الفصل غير مانع لأنه في تقدير التأخير قدم مراعاة
للفواصل عَلَى أن الظَّرْف اتسع فيه ما لم يتسع في غيره، واختار القاضي رحمه الله أن يكون
منصوبًا بـ رجعه حيث قال: وهو ظرف لـ رجعه. قال صاحب الكشف: والحق أن الفاصل غير أجنبي
لأنه إما تفسير أو عامل. أقول: معنى الثاني إن رجعه عامل فيه لأن [بقادر] عامل فيه وهذا لا معنى
له اللهم إلا أن يحمله عَلَى التنازع وهذا تكلف.