التفات من الغيبة إلَى التَّكَلُّم إظهارًا لكمال العناية بشأن ما أُنزل الماء لأجله وإظهارًا أَيْضًا
لعظم آثار قدرته بعظمة موجده وقادره، ومن هذا عبر بنون العظمة. الْمُرَاد به الالْتفَات من
الغيبة إلَى التَّكَلُّم [والنكتة] الخاصة هنا إذا علم العارف ما مضى من آثار قدرته ترقى من
الغيبة إلَى الحضور بحَيْثُ يصير المقام مقام تكلمه معه. أي نقل الْكَلَام منها إلَى التَّكَلُّم وهذا
التَّعْبير غير مُتَعَارَف بينهم وإن استعمل أحيانًا والمُتَعَارَف الالْتفَات، وكلمة الفاء نظرًا إلَى
ابتداء الإخراج لأنه يكون عقيب الْإنْزَال (بالماء) .
قوله: (نبت كل صنف) أي كل نوع الْمُرَاد من النبت المنبوت لا المصدر بقرينة الإخراج
بل بمعنى المنبت وهو ما يخرج من الْأَرْض حال كونه ناميًا سواء كان له ساق وهو الشجر أو لا
وهو النجم. وأَشَارَ إلَى أن الْمُرَاد بكل شيء كل صنف من النبات يخص به بمعونة المقام والتَّعْبير
به للمُبَالَغَة في العموم والتعميم إلَى ما هُوَ من صنف النبات لا إلَى ما هُوَ ليس من صنفه .
قوله: (من النبات) بيان للصنف أراد أن كل شيء عام مقصور عَلَى ما يتناوله وهو
كل نوع من النبات بقرينة الحس وأن الْمُرَاد بالنبات أصل النبات وهو ما يخرج من الحب
والبذر أولًا بقرينة قوله: (فأخرجنا منه خضرًا) .
قوله: (والْمَعْنَى إظهار القدرة في إثبات الأنواع) الْإثْبَات حاصل معنى فأخرجنا به نباتًا
وإنما اختاره لأن فيه إجمالًا وتفصيلًا. والأنواع معنى كل صنف ولا فرق بَيْنَهُمَا في اللغة .
قوله: (المفتنة) بالفاء والنون والتاء من الفتن وهو الغصن أو من الفن وهو الأظهر أي
الأنواع المختلفة في الكم والكَيْف والحلاوة بماء واحد ولو عبر بالصنف لكان أولى
بوَجْهَيْن، وفي نسخة مفننة بنونين أي عَلَى فنون كثيرة وأنواع بديعة .
قوله: (المسقية بماء واحد) أي بسَبَب واحد وهو الماء، وكون المسببات مختلفة مع
اتحاد السبب مما يتحير منه أولو الألباب .
قوله: (كما في قَوْله تَعَالَى:(يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ[وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى
بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ)] في المنفعة وقضاء البغية فـ [حِينَئِذٍ] يوافق قَوْلُه تَعَالَى: (يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ)
الخ. ولعل مراده بإيراد هذا الْقَوْل ما ذكرناه .
قوله: (من النبات) أي مما يخرج من النبات هذا هُوَ الظَّاهر ؛ إذ كلمة (مِن) في (مِنه) هُوَ
الْمُنَاسب له دون الماء فإن الخضر يخرج من الْأَرْض به. أي بسَبَب الماء لا من الماء إلا إذا
جعلت مِن تعليلية وهذا وجه جوازه لكنه خلاف الظَّاهر (أو الماء) .
قوله: (شيئاً [أخضر] ) أي خضرًا بمعنى أخضر صفة مشبهة تطلب الْمَوْصُوف لكن
الأولى نبتًا أخضر .
قوله: (يقال أخضر كأعور وعور، وهو الخارج من الحبة) فالْمُرَاد بالنبات أصل
الحبة مُطْلَقًا، والخضر هُوَ الشعب والأغصان ولذا عبر عنه بالأخضر، وأما النبات فعام
للأخضر وغيره .