ولعل هذا مراد صاحب الكَشَّاف بما فصله من قوله: لم يجعل الكون في الفلك غاية للتسيير [في البحر]
ولكن [مضمون] الْجُمْلَة الشرطية الواقعة بعد «حتى» بما في [حيزها] كأنه قيل: يسيركم حتى إذا وقعت
هذه الحادثة وكان كيت وكيت من مجيء الريح العاصف وتراكم الأمواج والظنّ للهلاك والدعاء بالإنجاء انتهى. لكن تسامح وأدخل كلمة إذا عَلَى الْجَزَاء والتَّعْبير الخالي من
المسامحة ما قررناه وهذا أولى مما جنح إليه الْمُصَنّف؛ إذ كون الحمل عَلَى السير الذي هُوَ
فعل العبد سببًا للتسيير الذي هُوَ فعل الله تَعَالَى محل تأمل.
قوله: (قي السفن) نبه به عَلَى أن الفلك جمع هناك كما يدل عليه (وجرين بهم)
وأما في قَوْله تَعَالَى: (في الفلك المشحون) فمقرر والفرق
بين مفرده وجمعه اعتباري (وجرين بهم) الباء للملابسة والمصاحبة
وجعلها للتعدية ضعيف والباء في (بريح) للآلة والاستعانة فلا يكون من تعلق الجارين الخ.
قوله: (بمن فيها) أَشَارَ إلَى أن الخطاب الأول عام لمن في البر والبحر، والخطاب
الثاني خاص بمن في البحر لكن (عدل عن الخطاب إلَى الغيبة) لما ذكره الْمُصَنّف.
قوله: (للمُبَالَغَة) أي في تقبيح حالهم كأنه تَعَالَى أعرض عن خطابهم لعدم لياقتهم
بعز الخطاب لأنهم رجس لائقون بالححاب، وحكى لغيرهم مثالبهم وسوء صنائعهم ليتعجب
من حالهم أولو الألباب ( [كأنه تذكرة] لغيرهم ليتعجب من حالهم وينكر عليهم) .
قوله: (لينة الهبوب) وطيب كل شيء جيده اللائق به وجيد الريح لينة هبوبها الموافق
لمقاصدهم (وفرحوا بها بتلك الريح) عطف عَلَى (جرين) والجامع بَيْنَهُمَا
خيالي والباء للسببية.
قوله: (جواب لـ إذا والضَّمير للفلك) وهو الظَّاهر الراجح لاستغنائه عن التَّكَلُّف
بخلاف الثاني.
قوله: (أو الريح الطيبة بمعنى تلقتها) أي الْمُرَاد بالمجيء لازمه وهو التلقي، وأما
المجيء الحقيقي فلا يتصور هنا؛ إذ الريح الطيبة تنعدم حين تلقتها العاصف.
قوله: (ذات عصف) أي العاصف صيغة نسبة ليس بجار عَلَى الْفعْل بل هُوَ اسم صيغ
لذي الشيء، أَلَا [تَرَى] أنه لا يقال: عصف كما لا يقال تمر وبين في تامِر ولابِن؛ ولذلك قيل
الفرق بينه وبين اسم الْفَاعل أنه لا يؤنث إذا كان بمعنى ذي كذا ومن هذا لا يجيء عاصفة
بالتأنيث مع أن الريح مؤنثة لا تذكر بدون تأويل.
قوله: (شديدة الهبوب) لازم معناه؛ إذ العصف وهو [التِّبْن] أو النبات المنكسر لأن
الريح الشديدة [تعصف] به.
قوله: (يجيء الموج منه) أي الاسْتغْرَاق المستفاد من كلمة كل عرفي لا حقيقي؛ إذ
الموج لا يجيء من كل مكان بل يجيء من كل مكان يمكن أن يجيء الموج منه.