فإنه عام، وأما رابعًا فلأنه لا يلائم ما بعده لأنه بيان له كما قال الْمُصَنّف، كَمَا صَرَّحَ به
وهذا الْمَعْنَى مروي عن قتادة واختاره الزجاج .
قوله: (ذا ستر كقَوْله تَعَالَى:(وَعْدُهُ مَأْتِيًّا) وقولهم سيل مفعم)[أي
ممتلئ] (أو مستورًا عن الحس) ذا ستر فصيغة الْمَفْعُول للنسبة مثل مَأْتِيًّا في قوله:(وعده
مَأْتِيًّا)فإن الوعد آت لا مأتي، فالْمَعْنَى ذا إتيان، وسيل مفعم بفتح العين، فالْمَعْنَى
ذو إفعام واختاره الْمُصَنّف وفيه وجه آخر بينه علماء البيان وهو كون الإسناد مَجَازًا عقليًا فإن
السيل مفعم والوادي مفعم بفتح العين يقال أفعم السيل الوادي أي ملأه وكذا في مستورًا
إسناده إلَى الحجاب مجاز لأنه سائر في نفسه وإن أريد أنه مستور عن الحس فهو عَلَى حَقيقَة
الإسناد وليس من صيغ النسب كما قال أو حجابًا مستورًا عن الحس لكونه معنويًا .
قوله: (أو بحجاب آخر لا يفهمون ولا يفقهون أنهم لا يفهمون) أو بحجاب آخر
فيكون الحجب متضاعفة ثم بين بطَريق الاسْتئْنَاف بأنهم محجوبون أولًا فلا يفهمون
ومحجوبون ثانيًا ولا يفهمون أنهم لا يفهمون بتضاعف الحجب فجهلهم مركب لا علاج له
وهذا الْمَعْنَى أبلغ لكن آخره لاحتياجه إلَى التقدير كأنه بعيد عن الفهم من النظم والثاني
أقرب إلَى الفهم منه فلذا قدمه وإن احتيج فيه إلَى الحذف .
قوله:(نفى عنهم أن يفهموا ما أنزل عليهم من الآيات بعد ما نفي عنهم التفقه [للدلالات]
المنصوبة في الأنفس والآفاق تقريرًا له وبيانًا لكونهم مطبوعين على الضلالة) نفى عنهم أن
يفهموا الخ. إشَارَة إلَى ارتباطه بما قبله وأن معنى الحجاب بينه عَلَيْهِ السَّلَامُ وبين الكفرة لا
يلائم ما بعده وما قبله وهو مخل بالانتظام [اللائق] لجزالة النظم الكريم ولقد غفل من اختار
هذا الْمَعْنَى عن براعة ما اختاره الْمُصَنّف كأنه لم ينظر إلَى هذا البيان الرشيق وهو قوله نفى
عنهم أن يفهموا الخ. وقد أوضحناه سابقًا .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: ذا ستر. يريد أن إسناد الستر إلَى ضمير الحجاب من باب الإسناد المجازي لأن
الحجاب ساتر لا مستور كما في قوله عز وجل: (كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا) حَيْثُ قيل مَأْتِيًّا
في مَوْضع آتيًا لأن الوعد آتٍ لا مأتي فهو كإسناد ما حقه أن يسند إلَى الْفَاعل إلَى الْمَفْعُول مثل
مثل مفعم والمفعم الوادي لا السيل مفعم لا مفعم وعكسه عيشة راضية في موضع مرضية أي وعد
ذا إتيان وسيل ذا إفعام وعيشة ذات رضى، فإن إضافة ذا في ذا ستر وذا إتيان وذا إفعام إضافة ناشئة
من تعلق الْفعْل إلَى الْفَاعل وفي عيشة ذات رضى من تعلق الْفعْل إلَى الْمَفْعُول فإن الْفعْل كما
يتعلق بالْفَاعل لأجل صدوره عنه كَذَلكَ يتعلق بالْمَفْعُول في وقوعه عليه .
قوله: أو مستورًا عن الحس، فعلى هذا كان الإسناد في (مستورًا) حقيقيًا .