فهرس الكتاب

الصفحة 4801 من 10841

قوله: (المتوحد هُوَ بهما) قيل يشير إلَى إفادة تعريف الطرفين للقصر وأنه قصر تعيين

يترتب عليه حصر الْعبَادَة فيه لأن من لا يقدر ولا ينعم لا يليق عبادته انتهى. إن أراد به

قصر الليل عَلَى كونه لأن يسكن الخلق فيه كما هُوَ مقتضى التعريف، وقصر النهار عَلَى كونه

مبصرًا فلا يثبت به المدعي، وإن أراد قصر خلقها عَلَى هذا الوجه عَلَى الخالق تَعَالَى كما هو

المدعي فلا دلالة لتعريف الطرفين عليه كما لا يخفى. فقوله: المتوحد بهما عَلَى أن مثل هذا

الجعل لا يتوهمه أحد لغيره تَعَالَى فبمعونة ذلك يستفاد القصر في مثل هذا المقام وإن لم

يوجد أداة القصر في الْكَلَام .

قوله: (ليدلهم) أي ليرشدهم (عَلَى تفرده باستحقاق الْعبَادَة) إذ استحقاق الْعبَادَة إنما هو

بالخلق فمن كان مخلوقًا كَيْفَ يستحق الْعبَادَة وأنه يجب عليه الْعبَادَة فأنى له أن يُعبد؟ وفي كلامه

إشَارَة إلَى أن هذه الآية كالدليل عَلَى قوله: (وما يتبع الَّذينَ يدعون) الآية. كما

في الآية السابقة ، والفرق بَيْنَهُمَا أن الآية السابقة تدل عليه من جهة أن أشرف معبودهم عبدٌ له

تَعَالَى فلا يصلح [للربوبية] فضلًا عن غيرهم ودلالة هذه الآية باعْتبَار أنه تَعَالَى له قدرة كاملة يقدر

على تغيب الليل والنهار ولا قدرة لغيره تَعَالَى عَلَى إيجاد أحقر شيء فلا يصلح للربوبية، ولكون

هذه الآية كالدليل ترك العطف .

قوله: (وإنما قال مبصرًا ولم يقل لتبصروا فيه) أو لم يقل أَيْضًا جعل الليل سكنًا أو

مظلمًا أو لباسًا لما ذكره ؛ إذ الغرض موافقة الْكَلَام وهي تتحقق بتغير أحدهما لا عَلَى التعيين .

قوله: (تفرقة) أي إشَارَة إلَى الفرق (بين الظَّرْف المجرد) وهو الليل فإنه ظرف

ـــــــــــــــــــــــــــــ

* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *

قوله: تفرقة بين الظَّرْف المجرد والظَّرْف الذي هُوَ سبب يعني كان مقتضى ظَاهر النظم أن

يقال: والنهار لتبصروا فيه ليوافق لتسكنوا فيه. فغير الأسلوب من مقتضى الظاهر فلا بد لتغييره من

نكتة فالنكتة ما ذكره أن الْمُرَاد بالظَّرْف المجرد الليل فإن تعلقه بالسكون في مجرد الظرفية لا في

السببية فإن الليل ليس سببًا للسكون بل هُوَ شيء يقع فيه السكون بخلاف النهار فإنه سبب للإبصار

لأن من شرائط الإبصار الضوء، ولا يمكن الإبصار بدون الضوء فمعنى السببية في (مبصرًا) مُسْتَفَاد من

إسناده إلَى ضمير الليل إسناد الْفعْل إلَى السبب إسنادًا مجازيًا جعل النهار مبصرًا وإن كان المبصر

مَن في النَّهار لكون النهار شرطًا للإبصار وسببًا له. فإن قلت: كما يكون الْفعْل مسندًا إلَى السبب

مَجَازًا كَذَلكَ يسند إلَى الزمان لعلاقة بين الْفعْل والزمان ؛ إذ ما من فعل إلا هُوَ واقع في زمان ألبتة

فلم لا يجوز أن يكون إسناد مبصرًا إلَى ضمير النهار من قبيل إسناد الْفعْل إلَى ظرف الزمان فمع

وجود هذا الاحتمال من أين يحكم بأن إسناده إلَى ضمير النهار من باب الإسناد إلَى السبب؟ قلنا:

إسناد الإبصار إلَى النهار وعدم إسناد السكون إلَى الليل مَجَازًا حَيْثُ لم يقل جعل لكم الليل ساكنًا

مع أن ذلك كان جائزًا بناء عَلَى جواز إسناد الْفعْل إلَى زمانه يرشدك إلى شدة تعلق الإبصار بالنهار

لأن تعلقه من جهتين. من جهة السببية ومن جهة أنه ظرف له بخلاف تعلق السكون بالليل فإن

تعلقه به في مجرد الظرفية لا فيه وفي السببية معًا، فمعنى السببية في ظرف النهار قد استفيد من

مجموع شيئين إسناد الإبصار إلَى ضمير النهار تجوزًا، وترك إسناد الكون إلَى الليل عَلَى وجه

الْمَجَاز مع جوازه. قَالَ الإمام: وإنما جعله مبصرًا عَلَى طريق نقل الاسم من المسبب إلَى السبب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت