حسنة الدارين إشَارَة إلَى طريق الدعاء وحثًا عليه ففي قوله (فَمنَ النَّاس)
التفات من الخطاب إلَى الغيبة حطا لطالب الدنيا عن عز الحضور انتهى. فالالْتفَات عَلَى
هذا التخريج ظَاهر لأن الْمُرَاد في الخطاب والغيبة واحد بخلاف ما اختاره الشيخان. قوله
حطا لطالب الدُّنْيَا الخ. يرد عليه أن الْكَلَام عام لطالب الْآخرَة فتأمل في جوابه، فالأولى أن
يقال غير الْكَلَام تعميمًا للمرام ويدخل فيهم الحاج دخولًا أوليًّا وفهم ما ذكره الإمام فهما
جليًا مع زيادة الفَائدَة تتميمًا للفائدة فيظهر بذلك ارتباطه إلَى ما قبله ارتباطا باهرًا .
قوله:(إلَى مقل لا يطلب بذكر الله إلا الدُّنْيَا ومكثر يطلب به خير الدارين، والمراد
به الحث عَلَى الإكثار والإرشاد إليه)مقل وهو كافر بقرينة قوله(وما له في الْآخرَة من
خلاق)أشار إليه المص بقوله لأن همه مقصور بالدُّنْيَا وما هُوَ إلا صفة للكافر المعرض
عن العقبى وفي المعالم وغيره أن الْمُرَاد به المشركون كانوا لا يسألون في الحج إلا
الدُّنْيَا مرادهم التَّنْبيه عَلَى أن هذا السؤال في غير مواقف المناسك قبيح وفيها أقبح ولم
يذكر طالب الْآخرَة فقط لأنه لا يوجد في الدُّنْيَا لأنه يحتاج في الحياة الدُّنْيَا إلَى طلب
الصحة والكفاف وتوفيق الخير وهي ذريعة في حسنة الْآخرَة لا مجال لعدم طلبها وذكر
الكفاف ونحوه إشَارَة إلَى ما ذكرنا. وبالْجُمْلَة طلب الْآخرَة بدون طلب حسنة الدُّنْيَا
الذريعة إلَى نيل الثواب غير متصور .
قوله: (اجعل إيتاءنا ومنحتنا في الدُّنْيَا) إشَارَة إلَى أنه نزل منزلة اللازم بالنسبة إلَى
الْمَفْعُول الثاني؛ ولذا قال اجعل إيتاءنا للإشَارَة إلَى التنزيل الْمَذْكُور مثل فلان يعطي أي يفعل
الإعطاء وفيه تنبيه عَلَى العموم مع الاختصار. والْمَعْنَى اجعل جميع إعطاءنا في الدُّنْيَا خاصة
ولم يذكر خاصة كما في الكَشَّاف لظهوره من التعميم .
قوله: (أي نصيب وحظ لأن همه مقصور بالدُّنْيَا) الخلاق من الخلق، والْمُرَاد النصيب
خلق وقدر له كما أنه سمي نصيبًا لأنه نصب له قال بعضهم لا يستعمل الخلاق إلا فيما له
خطر وهذا هُوَ الْمُرَاد هنا وإلا فله في الْآخرَة حظ جسيم من العذاب العظيم .
قوله: (أو من طلب خلاق) أي وما له من طلب نصيب في الدُّنْيَا حال كون ذلك
النصيب في الْآخرَة، فعلى هذا قوله في الْآخرَة متعلق بخلاق حال منه لا بالطلب ؛ إذ لا
طلب في الْآخرَة فهذا الْقَوْل بيان لحاله في الدُّنْيَا كما أنه عَلَى الأول بيان لحاله وإخبار له
من الله تَعَالَى في الْآخرَة وهو المناسب لما بعده ولذا قدمه والْقَوْل بأن لهم طلب
الخلاص في الْآخرَة كما أن الْمُؤْمنينَ يطلبون زيادة الدرجة مدفوع بأن طلبهم الخلاص
لكمال دهشهم لأنهم يعرفون أن لا خلاص لهم كقولهم (أخرجنا نعمل صالحًا) وقولهم(يا
ليتنا نرد)وأمثال ذلك كلا طلب لعلمهم بأنه لا ينفع، وقدم هذا القسم للإشعار بكثرتهم