قوله:(وانقيادهما لما يشاء تكوينه فيهما بالأمر المطاع الذي يأمر المنقاد لحكمه
المبادر إلى امتثال أمره، مهابة من عظمته وخشية من أليم عقابه)وبعضهم حمل مراده عَلَى
الاسْتعَارَة المكنية والتخييلية شبه الْأَرْض وأسماء بالعقلاء المميزين عَلَى الاسْتعَارَة المكنية
والنداء اسْتعَارَة تخييلية وهي قرينتها ثم رشحت بالأمر بالبلع لاخْتصَاصه بالحيوان لأنه
إدخال الطعام في الجوف بالْقُوَّة الجاذبة فهو تَرْشيح عَلَى تَرْشيح، وأما الإقلاع فلا تجريد
لاشتراكه بين الحيوان وغيره يقال أقلعت السماء إذا لم تمطر والظَّاهر أن السكاكي يخالف
ما ذهب إليه الشيخان حيث حمل النظم عَلَى استعارات حسنة وترشيحاتها ومجازات بليغة
وعلاقاتها مع فخامة نظمها ووجازة نظامها فجعل الْقَوْل مَجَازًا عن الإرادة بعلاقة تشبيهًا له
والقرينة خطاب الجماد كأنه قيل: أريد أن يرتد ما انفجر من الْأَرْض وينقطع طوفان السماء
وجعل الخطاب بـ يا أرض ويا سماء واردًا عَلَى نهج المكنية تشبيهًا لهما بالمأمور المنقاد
وأثبت لهما ما هُوَ من خواص المشبه به أعني النداء وجعل البلع اسْتعَارَة لغور الماء فيها
للذهاب إلَى مقر خفي والماء اسْتعَارَة مكنية تشبيهًا له بالمطعوم المتقوى به والقرينة ابلعي
باعْتبَار أصله وإن كان عنده اسْتعَارَة تصريحية عَلَى حد ينقصون عهد اللَّه ورجح اسْتعَارَة
البلع للنشف عَلَى ما اختاره كما سيأتي وجعل أمر البلع تَرْشيحًا للمكنية التي في المنادى
لزيادته عَلَى القرينة كما تقرر عندهم وجعل إضافة الماء إلَى الْأَرْض مَجَازًا لغويًا لاتصال
الماء بها كاتصال المال بالمالك والخطاب تَرْشيح له كذا قيل، وأنت خبير بأنه مهما أمكن
الاسْتعَارَة التمثيلية لا يصار إلَى غيرها إلا عَلَى وجه الاحتمال فالتعويل عَلَى ما اختاره
الشيخان (والبلع النشف والإقلاع الإمساك) .
قوله: (وغيض الماء) نقص) عطف عَلَى قيل والجامع عقلي ؛ إذ الْقَوْل
الْمَذْكُور سبب له نقص الأولى ونقص بالواو هذا من غاضه إذا نقصه وجميع معانيه راجعة
إليه. وقول الْجَوْهَريّ غاض الماء إذا قيل ونصب وغيض السماء فعل به ذلك لا يخالفه وهو
إخبار عن حصول المأمور به في السَّمَاء والْأَرْض معًا أي فانقادا لما أمرا به وغيض الماء لا
يَخْتَصُّ بطوفان السماء كما توهم كَيْفَ لا وقَوْلُه تَعَالَى: (يا أرض ابلعي ويا سماء أقلعي)
صريح في العموم .
قوله: (وأنجز ما وعد من إهلاك الْكَافرينَ وإنجاء المؤمنين) أي الْمُرَاد بالقضاء هنا
الإتمام فعلًا. قوله: وأنجز ما وعد بيان حاصل الْمَعْنَى؛ إذ الْمُرَاد قضاؤه وتقديره في الأزل
قضاء جزما، ولما كان ما قدره تَعَالَى واقعًا لا محالة. قال المص: وأنجز ما وعد أي ما وعد
نوحًا عَلَيْهِ السَّلَامُ وكان في الماء خمسين ومائة يوم واستوت بهم عَلَى الجودي. الوعد في
الأصل مستعمل في الخير والشر ولذا فسره بالإنجاء والإهلاك وقضاء الأمر قبل نقصان
الماء لكنه أخر ؛ إذ غيض الماء أمس بما قبله مع أن الواو لا يقتضي الترتيب .
قوله: (واستقرت السفينة) أي استوت إذا استعمل مع عَلَى يكون بمعنى استقر يقال
استوى عَلَى السرير إذا استقر عليه، وإذا استعمل بـ إلى يكون بمعنى قصد وتوجه كقوله
تَعَالَى: (ثم استوى إلَى السماء) الآية.