قوله: (بشرًا مثلك) قيده به لما ذكر بعده من الأزواج والاستيلاد وهما من خواص
البشر فيكون هذا جوابًا لقولهم (مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ) وقولهم لا يكون الرَّسُول من
جنس البشر بل لا بد أن يكون من جنس الْمَلَائكَة ولما عانوا أَيْضًا بأنه لو كان منْ عنْد اللَّه
رسولًا لكان معرضًا عن الأزواج أجاب بقوله: (وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً) .
كان لسليمان عَلَيْهِ السَّلَامُ ثلاثمائة امرأة مهيرة وسبعمائة سرية ولدَاوُود عَلَيْهِ السَّلَامُ مائة امرأة
وكأن الْكَلَام من قبيل انقسام الآحاد إلَى الآحاد فمن كان له أزواج كثيرة تعد أزواجه واحدًا
لاخْتصَاصها به، وَأَيْضًا لا يلزم لكل رسول زوج فلا إشكال بعيسى ويَحْيَى ونحوهما عليهم
السلام؛ إذ الْكَلَام ليس فيه ما يفيد العموم؛ إذ الجمع المنكر ليس من ألفاظ العام عند الأكثر
ولو سلم [فهو] عام خص منه البعض بدليل قام عليه نساء وأولادًا كما هي لك.
قوله: (وما صح له ولم يكن في وسعه) أي وما أمكن له ولذا قال ولم يكن في وسعه
وليس المنفي الصحة الشرعية كما يستعمل في مثل قوله: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ)
أي وما صح له شرعًا.
قوله: (بآية تقترح عليه) أي الْمُرَاد آية عَقْليَّة معجزة كإحياء الموتى كما اقترحوا
بإحياء قصي بن كلاب.
قوله: (وحكم يلتمس منه) وهذا إشَارَة إلَى أن الْمُرَاد بالآية الآية النقلية. كلمة الواو
والواصلة بمعنى أو الفاصلة. وقيل فهو من اسْتعْمَال اللَّفْظ في معنييه وهو جائز عند الْمُصَنّف
ومن لا يجوزه فهو يجعله من عموم الْمَجَاز بمعنى الدال مُطْلَقًا وعبر بالالتماس في الثاني
تفننًا لكن حسن التَّعْبير يطلب منه.
قوله: (فإنه الملي بذلك) مثل الغنى مبنى ومعنى أي القادر القوي عَلَى ذلك فيكون
هذا الْقَوْل جوابًا عن شبهتهم بأنه لو كان رسولًا لأتى بآية طلبنا منه آية كانت مع أن ما أتى
بها من المعجزات القاهرة كافية في الدلالة عَلَى الرسالة؛ إذ لا فرق بين معجزة ومعجزة في
كونها من خوارق العادة وإفحام من تصدى للمعارضة.
قوله: (لكل أمد ووقت حكم يكتب عَلَى العباد عَلَى ما يقتضيه استصلاحهم) أي
الْمُرَاد بكتاب معنى اللغوي أي المكتوب إما فعال بمعنى الْمَفْعُول أو المصدر بمعنى
الْمَفْعُول مَجَازًا، والْمُرَاد به ما كتبه الله تَعَالَى وحكمه عَلَى العباد عَلَى ما يقتضيه استصلاحهم
أي صلاحهم فالسين للمُبَالَغَة وهذا جواب لقولهم لو كان نبيًا لما نسخ أكثر أحكام الكتب
المتقدمة كالتَّوْرَاة والْإنْجيل، أو لما نسخ ما أمر أولًا في شرعه. والْجَوَاب لبيان الله تَعَالَى راعى
الْحكْمَة والمصلحة فيما شرع عَلَى عباده، لكن لا لكونه واجبًا عليه بل بلطفه وكرمه فكل
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: فإنه الملي بذلك. أي فإن الرَّسُول ثقة موثوق بذلك أي بأن لا يأتي بغير إذن الله تَعَالَى
هو مهموز اللام من ملأ يملؤ. لكل وقت وأمد حكم يكتب عَلَى العباد. وقيل هُوَ من باب القلب
والأصل لكل كتاب أجل ومدة أي الْكتَاب [المنزل] لكل واحد وقت ينزل فيه.