إتيان الفاء هنا دون خرقها. وجهه أنه عَلَيْهِ السَّلَامُ قتله عقيب لقائه بلا تراخ، وأما الخرق فلم
يتعقب الركوب وعن هذا قرن القتل بالفاء التعقيبية دون الخرق والكاف في كما لقيه للقرآن .
قوله: (ولذلك قال:(أقتلت نفسًا زكية بغير نفس) ولذلك أي
ولكون القتل بلا مهلة فإن أقتلت منكرًا عليه نفسًا زكية بغير نفس أي نفسًا طاهرة من
الذنوب عندك يا خضر؛ لأنك قتلته بدون ترو واستكشاف حال فهذا أعظم جناية ولو قتلته
بعد استكشاف حاله لم أكن منكرًا لأن من الاحتمالات أن تطلع عَلَى ما يستحق الغلام به
القتل ولم تطلع عليه فاتضح وجه قوله. ولذلك فلا إشكال بأن إنكار مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ
لكونه مَجَازًا بعدم استحقاقه القتل لوصفه بأنها نفس زكية مقتولة بغير سبب سواء تأخّر عن
اللقاء أو لا. وجه عدم الإشكال ما مَرَّ من أن كونها زكية ليست في نفس الأمر بل زكية
عند الخضر أَيْضًا حيث قتله بلا استكشاف الحال نظيره قَوْلُه تَعَالَى:(وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ
حَقٍّ)أي بِغَيْرِ حَقٍّ عند القائلين. وقول الكَشَّاف لأنها طاهرة من الذنوب عنده
لأنه لم يرها قد أذنبت الخ. يؤيد ما ذكرنا وسيجيء من المص أَيْضًا، وأما الْقَوْل إن الْجَزَاء
يتعقب الشرط أَيْضًا كما يتعقب ما بعد الفاء فَكَيْفَ يصح وقوع خرقها جزاء [حِينَئِذٍ] أي حين عدم
تعقيبه الركوب فضعيف جدًا لأن الْجَزَاء لا يلزم تحققه عقيب الشرط، أَلَا [تَرَى] أن قولنا إذا
أعطيت السلطان قصيدة أعطاك جائزة ولو بعد حين، وسره أن الشرط لا يلزم أن يكون سببًا
تامًا للجزاء بل قد يكون ناقصًا أَيْضًا ففي صورة النقصان تراخي الْجَزَاء عن الشرط وفي
صورة التمام يتعقب الْجَزَاء للشرط والركوب ليس سببًا تامًا للخرق فجاز التراخي عن
الركوب، وبهذا اندفع ما قيل إن إذا ظرفية دالة عَلَى وقوع الشرط والْجَزَاء في زمان واحد
وجه الاندفاع أن إذا إن كان للشرط يسقط معنى الظَّرْف عند الكوفيين واختاره أبو حنيفة
رحمه الله تَعَالَى فلا إشكال رأسًا وإن لم يسقط الظرفية كما هُوَ مذهب البصريين ومختار
الإمامين فلا يجب اتحاد زمانهما لما مَرَّ من أن الشرط لا يلزم أن يكون علة تامة لحصول
الْجَزَاء فيجوز اخْتلَاف زمانهما نحو: إذا جئتني اليوم أكرمتك غدًا. وقَوْلُه تَعَالَى:(أَإِذَا مَا مِتُّ
لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا).
قوله:(أي طاهرة من الذنوب، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ورويس عن يعقوب
«زاكية» والأول أبلغ)أي أشد مُبَالَغَة لأنه صيغة فعيل وهي تفيد المُبَالَغَة لدلالتها عَلَى الثبوت .
قوله: (وقال أبو عمرو الزاكية التي لم تذنب قط والزكية التي أذنبت ثم غفرت) قيل
وهذا لا ينافي كون زكية أبلغ لأنها تدل عَلَى الرفع وهو أقوى من الدفع .
قوله: (ولعله اختار الأول لذلك، فإنها كانت صغيرة لم تبلغ الحُلُم) والظَّاهر ولعله
اختار أبو عمرو الثاني لأن الأول هُوَ زكية حيث قال والأول أبلغ إلا أنه بالنظر إلَى فرق أبي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: والأول أبلغ فإن صيغة الفعيل من صيغ المُبَالَغَة .