قوله: (فَانْشُزُوا وقرأ نافع وابن عامر وعاصم بضم الشين فيهما) فانشزوا أي
انهضوا لتوسعة المجلس فإن القيام عن المجلس سبب لتوسعة المجلس مثل تبعد
البعض عن بعض، وأن الثاني إذا ضاق المجلس ولا يوجد التوسعة بالتبعد لعدم إمكان
التبعد لضيقه فعلم منه أن الْمُرَاد بالقيام الذهاب عن المجلس أو الْمُرَاد به ضد القعود؛ إذ
بقيام الجماعة أولًا ثم القعود ثانيًا يحصل وسعة المجلس كما يشاهد في بعض مجالس
الصلاة هذا في الْمَعْنَى الأول، وعلى الثاني فانشزوا فامتثلوا به ولا تثبطوا. قال الواحدي:
سبب نزول هذه الآية. أنه - صلى الله عليه وسلم - كان في الصّفَة يوم الجمعة فجاء ناس من أهل بدر وكان
يكرمهم وقد سبقوا فقاموا حينًا ينتظرون أن يوسع لهم فلم يفسحوا لهم فشق ذلك عليه
-صلى الله عليه وسلم - فقال لبعض من حوله: قم يا فلان ويا فلان فأقام نفرًا مقدار من قدم فشق ذلك
عليهم وعرف ذلك من وجوههم، وقال المُنَافقُونَ: ما عدل بإقامة أحد من مجلسه وأحب
قربة لمن تأخّر عن الحضور، فأنزل الله تَعَالَى هذه الآية. انتهى. وهو يؤيد الْمَعْنَى الأول
من أن الْمُرَاد بالقيام الذهاب والتأخّر عن المجلس.
قوله:(يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ بالنصر وحسن الذكر في الدنيا، وإيوائهم غرف
الجنان في الْآخرَة)يَرْفَعِ اللَّهُ. بالجزم جواب للأمر والتَّعْبير بالموصول لبيان أن الرفع بسَبَب
امتثال الأمر مشروط بالإيمان وحده فإن ضم إليه العلم كان في ذروة العلياء وإيوائهم الخ.
أَشَارَ إلَى أن الْمُرَاد الرفع في الدارين وأن الرفع يعم المعنوي والحسي، وقدم المعنوي لتقدم
الدُّنْيَا والرفع حَقيقَة في الحسي مَجَازًا في المعنوي فيلزم الجمع بَيْنَهُمَا أو هُوَ حَقيقَة فيهما
فيلزم عموم المشترك، أو هُوَ موضوع لمفهوم كلي شامل لهما فلا محذور [حِينَئِذٍ] وعندنا يحمل
على عموم الْمَجَاز؛ إذ الجمع الْمَذْكُور جائز عند الشَّافعيّ لا عندنا.
قوله: (ويرفع العلماء) عبر في النظم الكريم بإيتاء العلم تنبيهًا عَلَى أنه فضل من الله
تَعَالَى وإن كان للكسب مدخلًا ما. وأعيد الموصول تنبيهًا عَلَى المغايرة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: ويرفع العلماء منهم خاصة درجات. قال صاحب الانتصاف: وقع في الْجَزَاء رفع
الدرجات مناسبة للعمل؛ لأن المأمور به تفسيح المجالس لئلا يتنافسوا في القرب من المكان
المرتفع بحلول الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَامُ فيه. فإن المفسح حابس لنفسه عَمَّا يتنافس فيه من الرفعة
تواضعًا فجوزي بالرفعة لقوله"من تواضع للَّه رفعه الله"ثم لما علم أن أهل العلم يستوجبون رفع
المجلس خصهم بالذكر ليسهل عليهم ترك ما لهم من الرفعة في المجلس تواضعًا للَّه. تم كلامه. يريد
أن عطف (والَّذينَ أوتوا العلم) [عَلَى] (الَّذينَ آمَنُوا) من
عطف الخاص عَلَى العام تشريفًا، كعطف جبْريل عَلَى الْمَلَائكَة في ملائكته وجبْريل. قال الطيبي
رحمه الله: وفى إدخال الَّذينَ أوتوا العلم في حكم رفع المنزلة بسبب امتثال الأوامر مع الَّذينَ آمَنُوا
ثم إخراجهم عنهم، والعطف عليهم إيذان بأن العمل الواحد يتفاوت درجة فاعله بسبب التخلي عن
العلم والتحلي به إلَى غايات بعيدة وإن العمل مع علو مرتبته يكتسب من العلم المقرون به من
الرفعة ما لا يكتسبه إذا تفرد عنه ويعضد ما قاله القاضي ما روى الدارمي عن ابن [عباس] قال: يرفع