دينه لا في صحته وإلا لم يطابق الْجَوَاب ؛ إذ ليس فيه ما يدل عَلَى صحته. والثاني الشك في
الثبات عليه إن قلنا إنهم عرفوه لكنهم طمعوا في تركه له. وعلى كلا الوَجْهَيْن لا يكون
الْجَزَاء مرتبًا بالشرط بحسب الظَّاهر؛ لأن شكهم في دينه ليس سببًا لعدم عبادة الأوثان
وعبادة الله فلا بد من تأويله بالْإخْبَار. أي إنْ كُنْتُمْ تشكون في ديني فأنا أخبركم بأني لا أعبد
كقَوْله تَعَالَى: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) انتهى. قوله مستدرك ليس له
وجه لأنهم كما لا يعرفون فيه لم يعرفوا صحته أيضًا كما قيل. أو لأنهم يعرفون دينه
ويشاهدون أطواره فهم يشكون في صحة ما شاهدوه كما نطق به الآثار والأخبار. قوله: إذ
الْكَلَام في حقية دينه لا في صحته عجب؛ إذ الْمُرَاد بالصحة هنا الحقية، غاية الأمر التَّعْبير
بالحقية أوضح قوله الثاني الشك في الثبات في غاية الضعف مع عدم ملائمة النظم الجليل.
وقوله فأنا أخبركم ليس له كثير الفَائدَة في كونه جزاء وجوابًا ؛ إذ الْإخْبَار الْمَذْكُور قد ألقي
إليهم كثيرًا مع أن المقصود إسكاتهم وإلزامهم ولا يحصل ذلك بالإخبار الْمَذْكُور .
قوله: (وانظروا فيها بعين الإنصاف لتعلموا صحتها وهو) أي خلاصة الدين فالتذكير
باعْتبَار الخبر أو هو أي ديني أني لا أعبد الخ. مع ما عطف عليه .
قوله: (أني لا أعبد ما تخلقونه وتَعْبُدُونَهُ) أي الْمُرَاد بالموصول الأصنام بقرينة أن
الخطاب لأهل مكة عَلَى ما اختاره وهم عبدة الأصنام لا غير. ومعنى تخلقونه تنحتونه
والتَّعْبير بالخلق لمزيد التقريع والتجهيل ببيان أنهم أحسن حالًا مما اتخذوه معبودًا فإنهم
موجدوه ومخترعوه .
قوله: (ولكن أعبد خالقكم الذي هو يوجدكم ويتوفاكم. وإنما خص التوفي بالذكر)
أي إيجادًا وإعدامًا فلذا قال الذي هُوَ يوجدكم من كتم العدم ويتوفاكم ويعدمكم بعد
الوجود فالتوفي يدل عَلَى الإيجاد بإشَارَة النص وعن هذا ذكر خالقكم أولًا، ثم فصل بقوله
الذي وكأن قائلًا قال: فلما كان الْمُرَاد الإيجاد والإعدام لم خص التوفي بالذكر؟ أجاب بقوله:
وإنما خص التوفي الخ. والباء داخلة عَلَى المقصور .
قوله: (للتهديد) إذ لا شيء أشد عليهم من الموت. وقيل الْمُرَاد أعبد اللَّه الذي خلقكم
ثم يتوفاكم ثم يعيدكم فذكر الوسط ليدل عَلَى الطرفين اللذين كثر اقترانهما في الْقُرْآن انتهى.
والْمُصَنّف لم يتعرض للإعادة لأنهم لم يعتقدوها ولم تظهر ظهور الإبداء والتوفي وإن ظهر
برهانها ومن تعرض لها نظر إلَى ذلك الظهور .
قوله: (بما دل عليه العقل) كوجود الباري ووحدته وغير ذلك مما يتوقف الشرع عليه
ولا يتوقف ذلك عَلَى الشرع ؛ إذ لو توقف عليه لزم الدور. قيل فقوله (أُمرت) وجب عَلَى ذلك
بالعقل والنقل والسمع. أراد بالعقل التابع لما سمع من الشرع فلا يرد عليه أنه تبع فيه
الزَّمَخْشَريّ في قوله: إنه أمر بالوحي والعقل، فإنه نزغة اعتزالية كقوله بالحسن والقبح العقليين
فهو كلمة حق أريد بها باطل فاعرفه انتهى. ودلالة اللَّفْظ عَلَى هذا الْمَعْنَى غير واضحة بل
الظَّاهر ما أشرنا إليه من أن الْمَعْنَى وأُمرت أي وجب عليَّ بالسمع الإيمان بما يجب الإيمان