يمكن الاسْتفْهَام الحقيقي وهذا وإن كان استفهامًا وسؤالًا لكنه لكونه واقعًا في مقابلة
السؤال يعد جوابًا. جيء بهما أي أنه اسْتعَارَة تمثيلية تخييلية لتهويل أمرها شبهت حالة جهنم
وهيئة المحققة وهي ما ذكره الْمُصَنّف بوجوه ثلاثة بحالة مفروضة وهي الاستكثار لأهل
جهنم والطلب لزيادتهم لزيادة التهويل، والوجه الأول بناء عَلَى الامتلاء وهو الأصح لقوله
تَعَالَى: (لأملأن جهنم) الخ. ولذا قدمه والوجه الثاني لا يلائم ظاهره قوله
تَعَالَى: (لأملان جهنم) إلا أن يقال إن الْمُرَاد بـ أملأن عبارة عن كمال
الكثرة، ولا يخفى بعده.
قوله: (والْمَعْنَى أنها مع اتساعها تطرح فيها الجنة والناس فوجًا فوجا حتى تمتلئ
لقَوْله تَعَالَى: (لَأَمْلَأَنَّ) حتى تمتلئ فالاسْتفْهَام في (هل من مزيد) للإنكار
المقتضي للنفي.
قوله: (أو أنها مع السعة بحَيْثُ يدخلها من يدخلها وفيها بعد فراغ) أو أنها من
السعة فيكون الاسْتفْهَام للتقرير، وهذا أولى من كونه عَلَى حقيقته وإن احتملها كما نبهنا
عليه وقد عرفت أنه لا يلائم ظاهره قَوْلُه تَعَالَى: (لأملأن) الآية. وقيل
في جوابه أن الامتلاء قد يراد به أنه لا يخلو عن طبقة منها عمن يسكنها وإن كان فيها
فراغ كثير كما يقال إن البلد ممتلئة بأهلها ليس فيها دار خالية مع ما بينها من [الأفنية]
والفضاء، أو هذا باعْتبَار حالين فالفراغ في أول دخول أهلها فيها ثم يساق إليها الشَّيَاطين
فتمتلئ انتهى. فالْجَوَاب الأول لا يلائم الوجه الأول، إلا أن يقال والْجَوَاب الأول بناء
على الععى اللغوي الحقيقي مثل امتلاء الحوض والإناء ماء، والثاني بناء عَلَى العرفي
المجازي لغة. ولا يخلو عن كدر، فالأَولى عدم التعرض للوجه الثاني والْجَوَاب الثاني
ضعيف أَيْضًا لأن الشياطين من أهل جهنم، فلا وجه للْقَوْل في أول دخول أهلها الخ. عَلَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
استعمل في الباطل كقوله (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى) وهَاهُنَا سؤال جهنَّم وجوابها حَقيقَة كما
ورد"تحاجت الجنة والنَّار واشتكت النَّار إلَى ربها"ولا مانع من ذلك قال: سبح العصا، وسلم الحجر
على النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ولو فتح باب الْمَجَاز لاتسع الحرف أي التحريف بخلاف الآيات الواردة في
الصفات. إلَى هنا كلامه ققول هذا هُوَ الحق الذي لا محيد عنه. روى البخاري ومسلم عن أنس عن
النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال"لا تزال جهنَّم يلقى فيها وتقول هل من مزيد حتى يضع رب العرش. وفي رواية"رب
العزة فيها قدمه فينزوي بعضها إلَى بَعْضٍ وتقول قط قط بعزتك وكرمك، ولا يزال في الجنة فضل
حتى ينشئ الله خلقًا فيسكنهم فضل الجنة"وعنهم وعن الدارمي عن أبي هريرة قَالَ:"اختصمت الجنة
والنَّار فقالت الجنة يا رب ما لها لا يدخلها إلا ضعفة النَّاس وسقطهم، وقالت النَّار أوثرت
بالمتكبرين والمتجبرين، فقال للجنة: أنت رحمتي أرحم بها من أشاء من عبادي، وقال للنار: أنت
عذابي أصيب بك من أشاء، ولكل واحدة منكما ملؤها"."
قوله: والْمَعْنَى أنها مع اتساعها يطرح فيها من الجِنة والنَّاس فوجًا فوجًا حتى تمتلئ، فيكون
تقديرًا وتصويرًا لامتلائها مع سعتها، وإن سعتها مع كونها ممتلئة بأهلها بحَيْثُ يصح أن تقول:(هل
من مزيد)إن فرض لها نطق.