[أتعيبونه] ) الظَّاهر أنه معنى حقيقي للْقَوْل كما يشعر به قوله (من قولهم فلان يخاف المقالة) أي
عيب؛ إذ الخوف قرينة عليه فإن مطلق الْقَوْل لا يخاف منه، ويحتمل أن يكون مَجَازًا فإن التعييب
إنما هُوَ بالْقَوْل. القالة: مصدر بوزن غلبة أصلها قوله فاعل فصار قالة لكنها يَخْتَصُّ بالشر كما قيل
والاطلاع هُوَ الأولى كالْقَوْل.
قوله: (قَوْلُه تَعَالَى:(سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ) أشار به إلَى أن الْقَوْل
والذكر كلاهما قد يستعملان بمعنى التعييب، لكنه خلاف الظَّاهر وقليل الاسْتعْمَال لا يناسب
أسرار التنزيل، ولذا أخَّره وزيفه فيستغني عن المقول (من تمام كلام مُوسَى) .
قوله: (للدلالة عَلَى أنه ليس بسحر) أي لما أنكر عَلَيْهِ السَّلَامُ بقوله: أسحر هذا
استدل عليه بقوله: (ولا يفلح الساحرون) تقرير الدليل من الشكل الثاني
هكذا إن ما جئت به ليس بسحر فإن هذا ليس بمضمحل باطل وكل سحر مضمحل باطل
فما جئت به ليس بسحر. وما ذكره الْمُصَنّف من صورة قياس الخلف حاصل ما ذكرنا.
قوله: (فإنه لو كان سحرًا لاضمحل) كما اضمحل سحر سحرة فرعون(ولم يبطل
سحر السحرة)هذا لمزيد التوضيح وإلا فعدم الاضمحلال كاف في إثبات المطلب، وهذا
إنما يحسن إذا كان خطابه عليه وعتابه بعد إبطال العصى سحر السحرة، وفيه تردد بل اللائح
كونه قبله (ولأن العالم بأنه لا يفلح الساحر لا يسحر) هذا كبرى الدليل أي لأني عالم بأنه
لا يفلح الساحرون وكل عالم به لا يسحر؛ إذ العاقل فضلًا عن العالم لا يتصدى ما هُوَ عاقبة
خسران ويترتب عليه الخذلان.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
عز وجل: (للرؤيا تعبرون) فالاسْتفْهَام حِينَئِذٍ في (أسحر هذا) يكون
تقريرًا لقولهم (إن هذا لسحر مبين) واستجهالًا لهم. أي ما يشبه هذا سحر وإنه لحق ثابت قاهر في
الحجة والسحر باطل، فعلى هذا الوجه يكون قوله: (أتقولون) كناية عن العيب
والطعن لكونه واقعًا في مقابلة طعنهم في الحق وعيبهم، وكذا الذكر في سمعنا فتى يذكرهم بمعنى
الطعن والعيب عَلَى الكناية. والْمَعْنَى سمعنا فتى يعيبهم ويطعن فيهم لكون إبْرَاهيم عَلَيْه الصَّلَاةُ
وَالسَّلَامُ يذكرهم عَلَى وجه الطعن والعيب حيث قال إبْرَاهيم لأبيه(يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا
يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا)وقال: (وَاجْنُبْني وَبَنيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ(35) رَبّ إنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثيرًا
منَ النَّاس) أسند الإضلال للأصنام لكونهن أسبابًا للضلال.
قوله: فلان يخاف القالة. جمع قائل كالصاغة في جمع صائغ. أي يخاف القائلين أي القائلين
بعيبه والطاعنين في شأنه، ومنه بين النَّاس تقاول في حق فلان، والْمُرَاد التقاول بذمه وقدحه.
قوله: من تمام كلام مُوسَى فيكون مجموع قوله:(أَسِحْرٌ هَذَا[وَلَا يُفْلِحُ
السَّاحِرُونَ]) مقول قول مُوسَى والمقصود الدلالة عَلَى أن الحق الذي جاءهم ليس بسحر
إذ لو كان سحرًا لما أفلح فاعله، وقَدْ أَفْلَحَ هُوَ وفاز بالمطلوب الذي هُوَ غلبته عَلَى سحرتهم وإظهار
المعجزة لهم الدَّالَّة عَلَى حَقيقَة دعواه في أنه نبي مرسل. فعلم من فلاحه وفوزه بالمطلوب أن ما جاء به
حق وليس بسحر، كما قال مُوسَى للسحرة (مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ) .