بمعنى قدام أي هذا مأخوذ من قول الأعشى. وحاصله أي كون دون بمعنى قدام من قبيل ما
اشنهر في كلام العرب ومن جملته ما وقع في البيت. والأعشى شاعر معروف جاهلي وهو
أفعل من العشاء وهو نوع من ضعف البصر يمنع الرؤية ليلًا لا نهارًا واسمه ميمون بن
قيس بن جندل وهو من بكر وائل. أدرك زمن النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ومدحه بقصيدة لكن سبقت
شقوته فلم يأت له تريك القذى بفتح القاف والذال الْمُعْجَمَة مقصورًا شيء من التراب ونحوه
يقع في العين أو الشراب وتُريك بضم التاء الفوقية من الرؤية البصرية وفيه ضمير مؤنث مستتر
يعود للصهباء وهي الخمر الذي في البيت الذي قبله وهكذا فسر في شرح ديوانه كذا نقله
البعض فحِينَئِذٍ بصف الشاعر الصهباء. وقيل يصف الزجاجة بغاية الصفاء وأنها أي الزجاجة
تريك تلك الزجاجة يا من يصلح للخصاب القذى وهي دونه. أي والحال أنها قدام القذى
فدونه هنا بمعنى قدام، وهذا محل الاستشهاد؛ إذ لا يحتمل دون معنى غير قدام والوصف
بالزجاجة هُوَ الملائم بقوله تريك القذى؛ إذ لا معنى لإراءة الصهباء القذى وما في آخر البيت:
إذا ذاقها من ذاقها يتمطق
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
على هذا التقدير بأن الظَّاهر في مثله لفظ بين يقال شهد بين يديه. وأُجيب بأن (مِنْ) تبعيضية والشَّهَادَة
لما كانت واقعة في بعض الجهات لمن يشهد بين يديه جاز أن يستعمل بذلك الاعتبار كلمة
التبعيض. قال أكمل الدين هذا جواب حسن جيد إن لم تكن الصلاة توقيفية. وصاحب الكَشَّاف اختار
من الْأَقْسَام الممكنة سنة ثلاثة منها مبنية عَلَى تعلق مِنْ دُونِ اللَّهِ بشهدائكم، وثلاثة عَلَى تعلقه بـ ادعوا
أما الثلاثة الأول فالشهيد فيها لمعنى القائم بالشَّهَادَة، فالْمَعْنَى عَلَى الأول، والثاني ادعوا للاستظهار
في معارضة الْقُرْآن أصنامكم الَّذينَ تزعمون أنهم يشهدون يَوْم الْقيَامَة لا الله وبين يدي الله أنكم
على الحق، وعلى الثالث (ادعوا شهداءكم) أي أشرافكم ورؤساءكم ليشهدوا أنكم
أتيتم بمثل الْقُرْآن [متجاوزين] أولياء الله الْمُؤْمنينَ فإنهم لا شهادة لهم في ذلك يعني أن أشرافكم أيضًا
لا يشهدون بذلك لظهور بطلانه وتقدير الْمُضَاف عَلَى هذا لا يتناسب المتقابلان، وأمَّا الثلاثة الأخيرة
فالْمَعْنَى عَلَى الأول منها تجاوزوا الْمُؤْمنينَ فإنهم لا يشهدون وادعوا شهداءكم ليشهدوا أنكم أتيتم
بمثله يعني أنهم أيضًا لا يشهدون بذلك، وعلى الثاني ادعوا شهداءكم من النَّاس فصححوا دعواكم
ولا تقتصروا عَلَى قولكم الله يشهد أن ما ندعيه حق كما هُوَ شأن العاجز عن البينة، وعلى الثالث
ادعوا للاستظهار في معارضة الْقُرْآن كل من يحضركم سوى الله يعني لا تداعو الله فهو القادر وحده
على الإتيان بمثل الْقُرْآن، فعلى هذا الشهيد بمعنى الحاضر لا القائم بالشَّهَادَة فالأمر عَلَى الأولين
للتهكم وعلى الثالث والرابع للاستدراج وعلى الأخيرين للتعجيز هكذا قَالُوا. أقول: الأولى إن الأمر
الأول في الكل للتعجيز بدليل تَقْييد الأمرين بالشرط وهو قوله: (إنْ كُنْتُمْ صَادقينَ)
أي صَادقينَ في أنه من كلام البشر فإن الأمر الثاني قد عطف بالواو عَلَى الأمر المتمحض بكونه
للتعجيز وهذا يقتضي أن يشترك الْمَعْطُوف في الْمَعْنَى الذي قصد بالْمَعْطُوف عليه فالْوُجُوه الستة
الْمَذْكُورة مع إفادتها معنى التعجيز يفيد الأولان منها عَلَى طريق الإدماج معنى التهكم. والثالث
والرابع الاستدراج وإرخاء العنان. وأقول جعل القاضي رحمه الله (مِنْ دُونِ اللَّهِ)
متعلقا بـ ادعوا ثم بنى عليه الْكَلَام في الْوُجُوه التي ذكرها ويعلم منه أن جميع الْوُجُوه الْمَذْكُورة عَلَى
تعلقه بـ ادعوا ففيها نظر لأن الوجه الثاني والثالث إنما هما عَلَى تعلقه بالشهداء كما يرى من توجيهه.