فهرس الكتاب

الصفحة 1012 من 10841

وهذا ليس مذهب الجاحظ بل هذه الصورة ليست بصدق ولا كذب عنده. أما عدم الصدق

فظاهر، وأما عدم الكذب فلأن الكذب عنده عدم مطابقة الواقع مع الاعتقاد بأنه غير مطابق

فكون الكذب عبَارَة عن عدم مطابقة الاعتقاد، وإن كان مطابقًا للواقع مذهب النظام لا

مذهب الجاحظ وانكشف منه أن الجاحظ لا مساغ له لإلزام الْجُمْهُور بهذه الآية. فإنها يمكن

إقامتها عليه لإلزامه كما عرفت من قولنا إنه قد علم من تَكْذيب الله تَعَالَى الْمُنَافقينَ أن عدم

مطابقة الواقع ليس بمعتبر في الكذب وإن عدم مطابقة الواقع وإنه فيه فَكَيْفَ يقيم عَلَى

الْجُمْهُور لإلزامهم ما يقام عليه لإلزامه فجعل هذه الآية دليلا للجاحظ في غاية من الغفلة

غاية الأمر أن الصدق عبارة عن مطابقة الواقع مع مطابقة الاعتقاد حيث كذب الله الْمُنَافقينَ

في قولهم إنك لرسول الله مع أنه مطابق للواقع لما لم يعتقدوا مطابقته، وأما الكذب فهو

عدم المطابقة للواقع مع الاعتماد بأنه غير مطابق فلا يدل عليه هذه الآية. فمنشأ الغفلة كون

الآية دليلًا عَلَى أحد شقي مدعاه وهذا هفوة من طغيان القلم والله تَعَالَى أعلم فالإيراد قوي

ودفعه ردي ورد بصرف التَّكْذيب الخ. قولهم نشهد إنشاء لأنه إيجاد معنى بلفظ يقارنه

في الوجود والشَّهَادَة وجدت بلفظ نشهد. وقول مشايخنا في تعريف الشَّهَادَة إخبار بحق

للغير عَلَى آخر بناء عَلَى أن لفظه خبر وإلا فكونه إيجاد معنى يقارنه في الوجود مما لا

سترة فيه لأحد فضلًا للأئمة المجتهدين، فالْقَوْل بأن الشَّهَادَة الخبر القاطع عند الْحَنَفيَّة

وإنشاء عند الشَّافعي ظاهري لا تحقيقي، ويؤيد ما قلنا قول السروجي إنه لا نعرفه، وإنَّمَا هي

إنشاء عندنا أَيْضًا لكنه لتضمنه الْإخْبَار من دعوى العلم يطلق عليه الكذب. قوله لأن الشَّهَادَة

إخبار عَمَّا عمله الخ. إشَارَة إلَى ما ذكرناه؛ إذ مراده لأن الشَّهَادَة إخبار بحق للغير عَلَى آخر

وهذا يتضمن بأنه عالم به، وَأَيْضًا التَّعْبير بإخبار مع أنها إنشاء عند الشَّافعي لما ذكرناه وأيضا

للتنبيه عَلَى أن المشهودية خبر فحِينَئِذٍ الصدق الْإخْبَار المطابق بلا اعتبار مع اعتقاد المخبر

قيل؛ إذ قول الْمُصَنّف ورد بصرف التَّكْذيب الخ. ليس في موقعه لأنه إنما يكون رد الْكَلَام

النظام دون ما ذكره الرَّاغب حيث. قال الرَّاغب: وأما الصدق فإنه يحد بأنه مطابقة الخبر

المخبر عنه لكن حقيقته وتمامه أن يطابق في ذلك ثلاثة أشياء وجود المخبر عنه عَلَى ما

أخبر عنه واعتقاد المخبر فيه ذلك عن دلالة وأمارة وحصول العبارة مطابقًا لهما فمتى حصل

ذلك وصف بالصدق المطلق ومتى ارتفع ثلاثتها وصف بالكذب المطلق ومتى حصل اللفظ

والمخبر عنه والاعتقاد بخلافه صح أن يوصف ألا ترى أن الله تَعَالَى كذب الْمُنَافقينَ في

إخبارهم إنك لرسول الله لما كان اعتقادهم غير مطابق لقولهم فإذا قال لك من اعتقد كون

زيد في الدار إن زيدًا في الدار ولم يكن فيها صح أن يقال صدق اعتقاد أو كذب انتهى. ما

ذكره الرَّاغب ولما حمل هذا القائل الفاضل كلام المصنف. وقيل مع اعتقاد المخبر عَلَى أنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت