قوله: (بمعنى ليتعلق علمه به موجودا) أي الْمُرَاد بالعلم هنا تعلقه الحادث وهو تعلقه
بأن الشيء قد وجد الآن أو قبل، ويجوز أن يكون حصوله منوطًا بوجود شيء وحدوثه، وإلى
ذلك أشار بقوله بمعنى ليتعلق علمه به موجودًا أي الآن أو قيل فظهر صحة كون هذا العلم
غاية لقوله يسلك، وأما العلم بأنه سيقع قبل وقوعه وحدوثه فهذا التعلق أزلي قديم باق أزلًا
وأبدًا لا يصح كونه غاية لشيء ولا يجوز كون حصوله مربوطًا بشيء ولا يرتب عليه الْجَزَاء
والعلم الذي يترتب عليه الْجَزَاء العلم بأنه وجد الآن أو قبل كما مَرَّ.
قوله: (رسالات ربهم) جمع الرسالة؛ إذ الْمُرَاد ما أرسل به؛ إذ المبلغ ذلك.
قوله: (كما هى محروسة عن التغيير) باختلاط وساوس الشياطين وهذا القيد منفهم
من قوله: (يسلك من بين يديه) الآية. فإنه غاية له كما عرفته.
قوله: (أي بما عند الرسل) أي الضَّمير في لديهم راجع إلَى الرسل وما عندهم
الحكم والشرائع لا يفوته منها شيء ولا ينسى منها حرف فهو مهيمن عليها حافظ لها كذا
في الكَشَّاف. وأحاط حال من فاعل يسلك بتقدير قد عَلَى ما هُوَ الْمُخْتَار، وفيها دفع التوهم
الناشئ من الْكَلَام السابق وهو قوله: (يسلك من بين يديه ... ليعلم) الآية. فإنه
يوهم في بادي النظر العلم بالإبلاغ الْمَذْكُور يتوقف عَلَى السلك الْمَذْكُور. وقيل وقد أحاط
بما لديهم من الأحوال جَميعًا لتحقيق استغنائه في العلم بالإبلاغ عَمَّا ذكر من سلك الرصد
على الوجه الْمَذْكُور كذا قيل. والْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: إنه لما قال (ليعلم أن قد أبلغوا) أولًا وقال ثانيًا
وأحاط بما لديهم لبيان شمول علمه بأحوالهم جَميعًا بعد بيان علمه بالإبلاغ سواء كان حالًا
أو عطفًا عَلَى أبلغوا، إن كان ضمير ليعلم للنبي الموحى إليه، أو عطفًا عَلَى لا يظهر إن كان
الضَّمير في ليعلم لله تَعَالَى.
قوله: (وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا) حتى القطر والرمل) وأحصى
كل شيء موجودًا كان أو معدومًا ممكنًا كان أو ممتنعًا عددًا أي واحدًا واحدًا تمييز
عن نسبة أحصى إلَى كل شيء، وفيه تنبيه عَلَى أن علمه تَعَالَى بالأشياء عَلَى وجه
تفصيلي، وأنه تَعَالَى يعلم الجزئيات عَلَى وجه جزئي كما يعلم الكليات عَلَى وجه كلي
فظهر بطلان قول الفلاسفة والمتفلسفة من أن علمه بالأشياء إجمالي وأنه يعلم
الجزئيات عَلَى وجه كلي، وهذا كالترقي من العلم بأحوال الْأَنْبيَاء إلَى علمه بالأشياء
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: بمعنى ليتعلق علمه به موجودًا. وإنما فسر ليعلم الله به؛ لأن الله تَعَالَى لم يزل عالمًا به
فإن علمه تَعَالَى شيء ليس بحَيْثُ يتجدد بعد ما لم يكن، وإنما يتجدد تعلقه بحسب تجدد ما يتعلق
هو به فعندما يكون الشيء الممكن المقدر وجوده في كتم العدم يعلمه الله تَعَالَى معدومًا وبأحواله
وبخواصه التي قدرها له، فإذا وجد وجد في الخارج يتعلق علمه به موجودًا خارجيًا وهذا التعلق لم
يكن قبل وجوده، وإن كان الله تَعَالَى عالمًا به قبله والعلم أزلي والتعلق حادث. تمت السُّورَة حامدًا
لله ومصليًا عَلَى نبيه. مستعينًا باللَّه ومعتصمًا بحَبْل اللَّه المتين أشرع وأقول.