تَحْصيل الحاصل وقد مَرَّ غير مرة أن الْمُرَاد بالدوام العرفي لا الحقيقي؛ إذ حاجة الْإنْسَان
تدفع إمكان الحقيقي.
قوله:(ليلًا ونهارًا، وذكر الله يتناول كل ما يذكر به من تسبيح وتهليل وتمجيد وتحميد
وصلاة وقراءة قرآن ودراسة علم)ليلًا ونهارًا هذا التعميم بقرينة المقابلة وبإطلاقه وذكر الله
تَعَالَى أشار به إلَى أن الاسم مقحم ويويده قوله وذكر الله يتناول الخ. فإن الاسم لا يذكر في
بعض الْوُجُوه حتى يقال إن الاسم عين المسمى فذكر اللَّه مشترك بين هذه اشتراكًا بين هذه
الْوُجُوه اشتراكًا معنويا فإن الْمُرَاد به التعبد بأنواع الذكر. قوله ودراسة علم أى علم شرعي
والدراسة عام للتدريس والتدرس.
قوله: (وانقطع إليه بالْعبَادَة وجرد نفسك عَمَّا سواه) فإن كمال الذكر إنما يتحقق
بالتجريد الْمَذْكُور وما يترتب عليه من التجرد، وهذا معنى التبتل، والتجريد معنى التبتيل.
فالْكَلَام من قبيل الاحتباك. والْمَعْنَى وتبتل إليه تبتلًا وبتل إليه تبتيلًا كقَوْله تَعَالَى:(أَنْبَتَكُمْ
مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا)وما نحن فيه عكس ذلك، وذكر التبتل والتبتيل للتنبيه عَلَى
أنهما لازمان فإن التبتيل وهو التجريد فعل العباد والتبتل مطاوِعه بكسر الواو وهو قبول
الْفعْل وهو الانفعال يترتب عَلَى الترتيب الذي هُوَ الْفعْل كالكسر والانكسار، ولما كان
المقصود التجرد والتبتل قدم عَلَى التبتيل والتجريد وإن كان مقدمًا في الوجود عَلَى الترتيب
والانقطاع وللإشَارَة إلَى ذلك قال أولًا وانقطع إليه بالْعبَادَة معنى تبتل إليه، ثم قال وجرد
نفسك الخ. ثانيًا معنى تبتلًا من التفعيل.
قوله: (ولهذه الرمزة ومراعاة الفواصل [وضعه] موضع تبتلًا) يعني أن مقتضى الظَّاهر
أن يقال وتبتل إليه تبتلًا لعدل عنه ووضع تبتيلًا موقع تبتلًا لما ذكر ولمراعاة الفاصلة
ثم الظَّاهر أن قوله: (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ) مَعْطُوف عَلَى قوله (قُمْ) للتعميم
بعد التَّخْصِيص وسبب التَّخْصِيص ما مَرَّ من التعليل الْمَذْكُور وهو لا ينافي الأمر
بالتجريد في النهار؛ لأن كونه محل اشتغال المهمات لا ينافي التجريد عَمَّا سواه قال
تَعَالَى: (رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ) الآية. غاية الأمر أن
الليل يسهل فيه التجرد الْمَذْكُور والحضور المزبور فلا يتوهم المنافاة بين قَوْلُه تَعَالَى:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
التجدد فالْمُرَاد الاسْتمْرَار التجددي. أي جدد ذكر الله ساعة فساعة من زماني الليل والنهار لا تغفل
عن ذكره ساعة.
قوله: وانقطع إليه وجرد نفسك عَمَّا سواه. أخذ معنى الانقطاع من لفظ الْفعْل وهو (تَبَتَّلْ) الموضوع
صيغته للمطاوعة ومعنى التجريد من لفظ المصدر وهو تبتيلًا الموضوع صيغته للتعدية والتكثير ولإفادة
هذين المَعْنَيَيْن وضع تبتيلًا مَوْضع تبتلًا مع رعاية موافقة الفواصل فإن ما تقدم من الفواصل قيلًا وطويلًا
وما تأخر وكيلًا وجميلًا وقليلًا. قال صاحب الفرائد: يمكن أن يقال لما كان معنى (تَبَتَّلْ إِلَيْهِ) انقطع إليه أقيم
التبتيل مقامه وأكد به ليدل عَلَى أن ذلك الانقطاع إلَى الرب لا يحصل إلا بتكرار التبتل فالتبتل يدل عَلَى
حصول الانقطاع والتبتيل عَلَى التكرار لأن التفعيل لتكثير الْفعْل.