قوله: (وَقُرئَ «تَسْتَكْثِرْ» بالسكون للوقف) أي لإجراء الوصل مجرى الوقف، وأما كون
الْمَعْنَى للوقف حَقيقَة فقليل الجدوى؛ إذ كل كلمة ساكن حين الوقف فهو حال عَلَى هذا
أَيْضًا كما نبه عليه الْمُصَنّف بقوله مستكثرًا.
قوله: (أو الإبدال من تمنن عَلَى أنه من منَّ بكذا، أو تَسْتَكْثِرُ بمعنى تجده كثيرًا) أو
الإبدال من تمنن فيكون ذلك جزمًا لأن [لا] الناهية عاملة فيه، ولذا قال أو الإبدال من تمنن
ولم يقل من (ولا تمنن) والْمُرَاد بدل الاشتمال؛ إذ شأن المنان بما يعطيه أن
يستكثره ويراه كثيرًا فيصح بدل الاشتمال منه بهذا الاعتبار، وإلى ذلك أشار بقوله عَلَى أنه
من منَّ بكذا أو تستكثر الخ. أي السين للطلب في الْمَعْنَى الأول وهنا للوجدان فالبدلية مبنية
عليه. قوله من منَّ بكذا الخ. إشَارَة إلَى أن المن بمعنى الاعتداد بما أعطي لا بمعنى الإعطاء
فإذا جعل بمعنى الإعطاء يكون معنى تستكثر طلب العوض الكثير والنهي متوجه إليه لا إلَى
الإعطاء، وإذا جعل بمعنى الاعتداد بما أعطى يكون معنى تستكثر تجده كثيرًا فالنهي موجه
إلى المن والاستكثار معًا.
قوله: (وبالنصب على إضمار أنْ، وقد قرئ بها) أي قرئ تستكثر بالنصب عَلَى
إضمار أنْ الناصبة وأصله لأن تستكثر بتقدير اللام الجارة؛ إذ استقامة الْمَعْنَى بها، ولما كان
إضمار أنْ في مثل هذا خلاف الْقيَاس أيده بقوله وقد قرئ بها. أي بأنْ ظاهرة وهي قراءة
ابن مسعود - رضي الله تَعَالَى عنه - وفي الكَشَّاف وقرأ الأعمش بالنصب بإضمار أنْ كقوله:
أَلَّا أَيُّهَذَا الزَّاجري أَحْضُرَ الْوَغَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: عَلَى أنه من منَّ بكذا. وهو من المنة بمعنى الاعتداد لما أعطي فالأنسب حِينَئِذٍ أن
يكون (تستكثر) بمعنى تجده كثيرًا لا بمعنى طلب العوض لأنه لا يناسبه حِينَئِذٍ. قال
ابن جني: يحتمل أن يكون بدلًا كأنه قال لا تستكثر. فإن قيل في البدل يصلح إقامة الثاني مقام الأول
نحو ضربت أخاك زيدًا. ولو قلت لا تستكثر لم يدل إلا عَلَى النهي عن الاستكثار مرسلًا أي مُطْلَقًا
وإنما الْمَعْنَى ولا تمنن من مستكثر أي امنن من منَّ لا يريد عوضًا ولا يطلب الكثير عن القليل
فقال قد يكون البدل عَلَى حذف الأول، وقد يكون عَلَى نية إثباته كقولك: زيد مررت به أبي مُحَمَّد
فتبدل أبي مُحَمَّد من الهاء ولو قلت زيد مررت بأبي مُحَمَّد كان قبيحًا فقوله: (وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ)
من هذا القيل.
قوله: وبالنصب عَلَى إضمار أن قرأ الأعمش بالنصب بإضمار أن كما في قوله:
أَلا أَيّهذا الزَّاجِرِي أَحضُرَ الوَغَى ... وأَنْ أشَهدَ اللذاتِ هَلْ أنتَ مُخلِدي
فإن محل أحضر نصب عَلَى أنه مَفْعُوله الزاجر ولا حط للفعل من الإعراب إلا بتأويل
والتأويل هنا أن يقدر أن فحذف أن وأبطل عمله فرفع فقرينة تقدير أن هنا شيئان وقوع أحضر موقع
الْمَفْعُول وعطف أن أشهد عليه وأنشد أبو زيد.
فقالوا ما تَشاء فقلتُ أَلْهو ... إلى الإصباحِ آثِرَ ذي أَثيرِ