قوله: (وقيل لما استبعدوه حسبوا أنه مثل مضروب) أي قول شبه مضربه بمورده مثل: إني
أراك تقدم رجلًا وتؤخر أخرى لكن هذا بناء عَلَى حسبانهم وظنهم الفاسد والوجه الأول مبني
على ما في نفس الأمر فلا منافاة، وحاصل الْكَلَام عَلَى الوجه الأول إنكار أنه منْ عنْد اللَّه لأنه لو
كان منْ عنْد اللَّه لما جاء كَذَلكَ، وحاصل الثاني أنه من عند اللَّه لكن مراد الله ليس بظاهره بل
جعله مثلًا لشيء آخر كسائر الأمثال مثلًا شبه عدد الزبانية في الكثرة بعدد تسعة عشر بناء عَلَى
أن العرب يعبرون به عن عدد كثير جدًا فذكر ما هُوَ الموضوع للمشبه به وأريد المشبه، وهذا غاية
توجيه كلامهم، ولا يخفى ما فيه ولذا مرضه والوجه الأول هُوَ المعول، وهذا بناء عَلَى فرض كون
الْقُرْآن كلام الله تَعَالَى فلا إشكال بأنهم ينكرون الْقُرْآن فَكَيْفَ يصح ذلك منهم.
قوله: (مثل ذلك الْمَذْكُور من الإضلال والهدى يضل الكاقرين ويَهْدي الْمُؤْمنينَ)
أشار به إلَى أن ذلك إشَارَة إلَى الْمَذْكُور قبله من معنى الإضلال والهداية فحذف المصدر
وأقيم وصفه مقامه؛ إذ التقدير يضل الله الخ. إضلالًا وهداية مثل ما مَرَّ من الْمَذْكُور قبله ثم
قدم ذلك الوصف عَلَى الْفعْل إما للاهتمام أو للقصر. قوله: يضل الْكَافرينَ لصرف اختيارهم
إلى جانب الضلال، ويَهْدي الْمُؤْمنينَ لصرف إرادتهم الجزئية إلَى جانب الهدى بالتأمل في
الآيات والنظر الصحيح في الدلائل الواضحات، فأَشَارَ إلَى أن من يشاء الكافر في الأول
والْمُؤْمن في الثاني لكن إرادة للَّه تابعة لإرادة العبد فلا جبر كما لا تفويض، وقدم الأول
لكثرتهم كمًّا وإن كان الثاني أكثر كيفًا.
قوله: (جموع خلقه عَلَى ما هم عليه) في نفس الأمر من تفاصيل عددهم وأحوالهم
وإنما فسره به ليفيد الحصر. قوله جموع خلقه تفسير الجنود أي الْمُرَاد بالجنود مطلق
مخلوقاته من الأعيان والأعراض بحَيْثُ لا يشذ منهم فرد فالعلم بأحوالها والاطلاع عَلَى
حقيقتها في نفس الأمر مختص باللَّه تَعَالَى.
قوله: (إذ لا سبيل لأحد من المخلوقات إلَى حصر الممكنات والاطلاع عَلَى حقائقها
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وقيل لما استعبدوه حسبوه مثلًا. فعلى هذا يكون لفظ المثل حَقيقَة بخلاف الوجه الأول
فإنه عَلَى ذلك اسْتعَارَة مصرحة حيث شبه العدد المستغرب بحَقيقَة المثل في الاستغراب فأطلق لفظ
المشبه به عَلَى المشبه. وفي الكَشَّاف: هُوَ اسْتعَارَة من المثل المضروب لأنه مما غرب من الْكَلَام
وبدع استغرابًا منهم لهذا العدد واستبداعًا له. والْمَعْنَى أي شيء أراد الله بهذا العدد العجيب وأي
غرض قصد في أن جعل الْمَلَائكَة تسعة عشر لا عشرين سواء ومرادهم إنكاره من أصله وأنه ليس
من عند الله وأنه لو كان منْ عنْد اللَّه لما جاء بهذا العدد الناقص.
قوله: مثل ذلك الْمَذْكُور. يريد أن الكاف في (كَذَلكَ) نصب وذلك إشَارَة
إلى ما قبله من معنى الإضلال والهدى.
قوله: جموع خلقه عَلَى ما هم عليه. أي ما عليه كل جند من العدد الْمَخْصُوص من كون
بعضها عَلَى عقد كامل من عقود الأعداد وبعضها عَلَى عدد ناقص وما في اخْتصَاص كل جند بعدده
من الْحكْمَة إلا هُوَ، ولا سبيل لأحد إلَى معرفة ذلك كما لا يعرف الْحكْمَة في أعداد السَّمَاوَات