في أول الْكَلَام لتأكيد القسم. ابنة العامري منادى حذف منه حرف النداء أي بابنة العامري لا
يدعي القوم أني أفر. أي لا أفر من الحرب وعدم فراري مشتهر بين القوم حتى لا يدعي من
الادعاء ذلك أحد منهم في شأني لتَكْذيبهم إياه وردهم. قوله لا يدعي الخ. جواب القسم.
قوله: (وقد مَرَّ الْكَلَام في قوله:(فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ) وقرأ
قنبل لأقسم بغير ألف بعد اللام وكذا روي عن البزي) وقد هُوَ الْكَلَام أي فيه احتمالات.
الأول أن «لَا» باقية عَلَى النفي فهي إما لنفي الْكَلَام السابق ذكره قبل القسم وهو هنا إنكار
البعث أي ليس الأمر كما زعموا وأقسم بيَوْم الْقيَامَة تأكيدًا للنفي الْمَذْكُور، والْجُمْلَة وإن
كانت في ابتداء الْكَلَام لكن السُّورَة المتقدمة اعتبر اتصال السُّورَة المؤخرة بها حتى يرام
بيان مناسبة هذه السُّورَة أي أولها بآخر السُّورَة المتقدمة وقد التزمه الإمام في الأكثر.
والاحتمال الثاني أن «لَا» منا وفي مثله لنفي القسم أي لا أقسم لظهور الأمر فلا حاجة إلَى
القسم. والْمَعْنَى هنا: (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ(1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ). عَلَى
إثبات هذا المطلوب فإن هذا المطلب أجل وأعظم من أن يقسم عليه فيكون تفخيم شأن
المقسم عليه وقس عليه أمثاله. والاحتمال الثالث أن أصله لام ابتداء دخلت عَلَى أقسم أي
[لأقسم] فأشبع فتحة لام الابتداء ويؤيده قراءة قنبل ورواية عن البزي كما ذكره الْمُصَنّف
لكن الْكَلَام حِينَئِذٍ يكون جملة اسمية حذف مبتدؤها أي لأنا قسم لأن لام الابتداء لا يدخل
إلا عَلَى الْجُمْلَة الاسمية، ويرد عليه أنه يستلزم قسمًا آخر ليكون هذا جوابًا عنه فيصير
التقدير والله لأقسم فيكون قسمًا عَلَى قسم فيكون ركيكًا ولأنه يفضي إلَى التسلسل إلا أن
يقال: إن القسم عَلَى القسم مستحسن فيما قصد المُبَالَغَة في تحقق المقسم عليه للقسم الثاني
والتسلسل غير بين ولا مبين ولو سلم أنه أمر اعتباري ينقطع باعْتبَار المعتبر.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
والاعتراض صحيح؛ لأنها لم تقع مزيدة إلا في وسط الكلام، ولكن الجواب غير سديد. ألا ترى إلى
امرئ القيس كيف زادها في مستهل قصيدته. والوجه أن يقال: هي للنفي. والمعنى في ذلك أنه لا
يقسم بالشيء إلا إعظامًا له يدلك عليه قوله تعالى(فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ
عَظِيمٌ)فكأنه بإدخال حرف النفي يقول: إنّ إعظامى له بإقسامى به كلا إعظام،
يعنى أنه يستأهل فوق ذلك. وقيل إن «لا» نفى لكلام وردّ له قبل القسم، كأنهم أنكروا البعث فقيل: لا،
أى ليس الأمر على ما ذكرتم، ثم قيل: (أقسم بيوم القيامة) .
قال الإمام في هذا الوجه
الأخير إشكال لأن إعادة حرف النفي وفي قوله: (وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ) يقدح
فيه. والأصح هُوَ الوجه الأول وعلى هذا الْقَوْل وقع اختيار أبي مسلم ويمكن تقريره بأن يُقال: كَأَنَّهُ
تَعَالَى يَقُولُ: لَا أُقْسِمُ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ عَلَى إِثْبَاتِ هَذَا الْمَطْلُوبِ فَإِنَّ هَذَا الْمَطْلُوبَ أَعْظَمُ وَأَجَلُّ مِنْ أَنْ يُقْسَمَ عَلَيْهِ
بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ[وَيَكُونُ الْغَرَضُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ تَعْظِيمَ الْمُقْسَمِ عَلَيْهِ وَتَفْخِيمَ شَأْنِهِ. وَثَانِيهَا: كَأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: لَا أُقْسِمُ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ عَلَى إِثْبَاتِ هَذَا الْمَطْلُوبِ، فَإِنَّ إِثْبَاتَهُ
أَظْهَرُ وَأَجْلَى وَأَقْوَى وَأَحْرَى، مِنْ أَنْ يُحَاوِلَ إِثْبَاتَهُ بِمِثْلِ هَذَا الْقَسَمِ]. وقال أبو البقاء: «لَا» رَدٌّ لِكَلَامٍ مُقَدَّرٍ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: أَنْتَ
مُفْتَرٍ عَلَى اللَّهِ فِي قَوْلِكَ: نَبْعَثُ؛ فَقَالَ لَا، ثُمَّ ابْتَدَأَ؛ فَقَالَ: أُقْسِمُ، وَهَذَا كَثِيرٌ فِي الشِّعْرِ،
فَإِنَّ وَاوَ الْعَطْفِ تَأْتِي فِي [مَبَادِئِ] الْقَصَائِدِ كَثِيرًا، يُقَدَّرُ هُنَاكَ كَلَامٌ يُعْطَفُ عَلَيْهِ.