علم أن الْمُرَاد بالنبإ العظيم البعث لا الْقُرْآن أو نبوة النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ كما ذهب إليه البعض
حيث قال النبأ اسم للخبر لا المخبر عنه والبعث والنبوة مخبر عنهما. والْجَوَاب أن النبأ
كالخبر شائعان في المخبر عنه من قَوْلُه تَعَالَى: (ألم نجعل الْأَرْض) ارتباطه
يكون الْمُرَاد بالنبإ الْقُرْآن غير ظَاهر والْقَوْل بأنه انتقال منه إلَى إثبات إمكان البعث
بالاستدلال عليه ضعيف وإن كان صحيحًا في نفسه؛ إذ له نظائر كثيرة، غاية الأمر أنه يلزم
حِينَئِذٍ عدم الاستدلال عَلَى حقية الْقُرْآن أو نبوة النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ولا ضير فيه لما مَرَّ
الاستدلال عليه [غير] مرة. قوله ليستدلوا أي ليستدل منكر البعث بذلك ويعترفون بأنه حق؛ إذ
استدلالته تَعَالَى عَلَى ذلك لا ينفعهم ولذلك قال ليستدلوا الخ. وعدم ترتب هذا الغرض لا
يضر؛ إذ الغرض غير الإرادة؛ إذ عدم الْمُرَاد غير متصور.
قوله: (كما مَرَّ تقريره مرارًا) من أنه تَعَالَى لما كان قادرًا بالقدرة التامة يكون قادرًا
على البعث فإن الإعادة أهون من البدء ومواد الأبدان قابلة للاجتماع والافتراق بالذات وما
بالذات لا يزول، وأنه تَعَالَى عالم بالأجزاء المتفرقة ومواقعها وأنه تَعَالَى قادر عَلَى جمعها
فعلم مما ذكرنا أنه لو قال الدَّالَّة عَلَى كمال قدرته وتمام علمه لكان أولى؛ إذ الاستدلال عَلَى
صحة البعث بدون ملاحظة علمه المحيط لا يتم وإن عجائب صنعه الْمَذْكُورة كما دلت
على قدرته الكاملة يدل أَيْضًا عَلَى علمه التام.
قوله:(وَقُرئَ «مهدًا» أي أنها لهم كالمهد للصبي مصدر سمي به ما يمهد للنوم
عليه)فالْكَلَام من قبيل التَّشبيه البليغ ولم يجعل اسْتعَارَة لكون الطرفين مذكورين، وإنما
جعل قول الشاعر.
قد زر ازراره عَلَى القمر
اسْتعَارَة مع اشتماله عَلَى ذكر الطرفين لأن ذكر المُسْتَعَار له. أي المشبه لا ينبئ عن
التشبيه وهو المانع من الاسْتعَارَة وهنا ذكر المشبه ينبئ عن التشبيه لكون الحمل بين طرفيه.
والحاصل أن ذكر المُسْتَعَار له إذا لم يكن بين طرفيه حمل أو ما في معناه لا ينافي
الاسْتعَارَة وإلا ينافي الاسْتعَارَة. قوله مصدر سمي به أي في أصله مصدر ثم سمي به ما
يمهد مَجَازًا تسمية للمَفْعُول بالمصدر مُبَالَغَة وهذه القراءة شاذة هنا، كَمَا صَرَّحُوا به. قال
الْجَوْهَريُّ: المهد مهد الصبي، والمهاد الفراش وقد مهدت الفراش مهدًا بسطته ووطأته
وتمهيد الأمور تسويتها وإصلاحها انتهى. وما يستفاد منه أن بَيْنَهُمَا فرقًا. وقيل إنهما بمعنى
واحد كما في القاموس ولهذا قيل قوله مصدر الخ. راجع لهما أي للمهد والمهاد لكن
الظَّاهر أنه بيان للمهد لأنه قال في طه والمهاد اسم ما يمهد كالفراش أو جمع مهد فالمهاد
بمعنى الفراش والبساط كقوله: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا) الآية. وقوله
تَعَالَى: (الذي جعل الْأَرْض فراشًا) الآية. ففسر الفراش بأن جعل بعض
جوانبها بارزًا عن الماء وصيرها متوسطة بين الصلابة واللطافة حتى صارت مهيأة لا يقعدوا
ويناموا عليها كالفراش المبسوط، وهذا الْمَعْنَى لا ينتظم في مهد الصبي، والْقَوْل بأنه راجع