قوله:(وبعضهم مصلوبون على جذوع من نار، وبعضهم أشد نتنًا من الجيف، وبعضهم
ملبسون جبابًا سابغة من قطران لازقة بجلودهم»)مصلوبون عَلَى جذوع الخ. هذا محمول
على التشبيه وإن حال النشأة الأخرى لا يقاس عَلَى حال النشأة الأولى فلا إشكال بأن
الصلب يقتضي الإمساك، والإتيان لا يكون إلا بالحركة والمصلوب يتحرك بحركة تلك
الجذوع. وبالْجُمْلَة لا يناسب البحث عن مثل هذا الأمر الأخروي.
قوله: (ثم فسرهم بالقتَّات وأهل السحت وأكلة الربا والجائرين في الحكم) ثم
فسرهم أي عَلَى سبيل اللف والنشر المرتب. بالقتَّات بوزن النَّمام مبنى ومعنى. وتَخْصيص
الصور الْمَخْصُوصة بمن ذكر بعده مما يفوض علمه [للشارع] وقد تصدى بعض بوجه
ذلك تقريبًا وتأنيسًا في الفهم فقال: والتَّخْصِيص بهذه الصورة لأنها معهودة في المسخ
وهو لما غيَّر ما نقله وكذب غيَّر الله صورته. وأهل السحت هم الَّذينَ يأكلون الحرام غير
الربا كالرشوة وهم أَيْضًا يعدلون عَمَّا أحل الله تَعَالَى لغيرهم فلذا غيَّر صورهم ولا
يخفى أن هذا جارٍ في آكل الربا، بل جارٍ في كل معصية؛ لأن العدول عَمَّا أمر الله وأحله
متحقق فيها ثم لا بد من النُّكْتَة في تَخْصيص القردة بالنَّمام والخنازير بأهل السحت فلم
لا يكون بالعكس وتَخْصيص التنكيس بالجائرين لعدولهم عن الحق، وأنت خبير بأن كل
ما ذكر فيه عدول عن الحق.
قوله: (والمعجبين بأعمالهم) عميًا لنظرهم لأنفسهم، ولا يخفى أن كل من أعرض عن
ذكر الله فهو ناظر لهواه ولذا قال تَعَالَى:(وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا
وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى)الآية. وظَاهر هذه الآية أن الْكُفَّار كلهم يحشرون
أعمى فيحتاج إلَى التوفيق بينها وبين الخبر الشريف فليتأمل.
قوله:(والعلماء الذين خالف قولهم عملهم، والمؤذين جيرانهم والساعين بالناس
إلى السلطان، والتابعين للشهوات المانعين حق الله)خالف قولهم الخ. لأنه لم يسمع ما
قاله للناس في حق نفسه والْكُفَّار برمتهم لم يسمعوا الحق فلزمهم كونهم محشورين
صما ولم ينطقوا الحق فيحشرون بُكمًا، ولذا قال تَعَالَى في حق الْكَافرينَ(صُمٌّ بُكْمٌ
عُمْيٌ)الآية. فالصواب تفويض علمه إلَى الشارع.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: ثم فسرهم بالقتَّات قَالَ - صلى الله عليه وسلم -"وأما الَّذينَ عَلَى صورة القردة فالقتَّات من النَّاس، وأما الذين"
على صورة الخنازير فأهل السحت، وأما المنكوسون عَلَى وجوههم فأكلة الربا، وأما العمي فالَّذينَ
يجورون في الحكم، وأما الصم والبكم فالمعجبون بأعمالهم، وأما الَّذينَ يمضغون ألسنتهم فالعلماء
والقصاص الَّذينَ خالف أقوالهم أعمالهم، وأما الَّذينَ قطعت أيديهم وأرجلهم فهم الَّذينَ يؤذون
الجيران، وأما المصلوبون عَلَى جذوع من نار فالسعاة بالنَّاس إلَى السلطان، وأما الَّذينَ هم أشد نتنًا
من الجيف فالذين يتبعون الشهوات واللذات ومنعوا حق الله في أموالهم، وأما الَّذينَ يلبسون الجباب
فأهل [الكبر] والفخر والخُيَلاء"."