الظَّاهرَة في هذه النشأة تبرز في النشأة الأخرى بصور جوهرية مناسبة لها في الحسن
والقبح ضعيف؛ لأن جزاء الْأَعْمَال مذكورة في مواضع شتى فالمحضر إما الصحائف أو
الْجَزَاء لا نفس الْأَعْمَال ومعنى علمها به حِينَئِذٍ شاهدة الصحائف أو الْجَزَاء عَلَى وجه
التَّفْصيل بعد علمها في الدُّنْيَا عَلَى وجه الإجمال ولو قيل: (ما أحضرت)
ما قدمت وأخرت مَجَازًا؛ إذ التقديم سبب للإحضار لم يبعد قوله الآتي:(علمت نفس ما
قدمت وأخرت)يؤيد ذلك.
قوله: (جواب إذا) حمله عَلَى الشرطية دون الظرفية وإن احتملتها.
قوله:(وإنما صح والمذكور في سياقها اثنتا عشرة خصلة ست منها في مبادئ قيام
الساعة قبل فناء الدُّنْيَا وست بعده)وإنما صح كونه جواب إذا مع أن الأشياء الست الأولى
قبل فناء الدُّنْيَا فلا [تعلم] نفس حِينَئِذٍ ما أحضرت فَكَيْفَ يصح ذلك؟ قيل الظَّاهر أن الْمُرَاد به
ما بين النفختين لظهور أن الست الأول ليست قبل النفخة الأولى وإلا لعدت من أشراط
الساعة. والحاصل أن مبدأ الخصال الْمَذْكُورة النفخة الأولى ومنتهاه فصل القضاء. وقيل يكفي
في صحة الْكَلَام جريانه عَلَى أحد الْوُجُوه في خصلة تعطيل العشار وحشر الوحوش وهو أن
يكون تعطيل العشار بمعنى تعطيل السحاب وأن يكون حشر الوحوش بمعنى إماتتها ولا
يلزم إجراء الكل عَلَى جميع الْوُجُوه فلا إشكال بأنه قد ثبت أن موت النَّاس والخلائق إلا
بعض الْمَلَائكَة بعد النفخة الأولى فَكَيْفَ يتصور تعطيل العشار وحشر الوحوش بزوال
وحشتها من الدهشة ويرد عليه أنه لما كان صحة الْكَلَام جاريًا عَلَى أحد الْوُجُوه دون الآخر
كان الواجب التعرض للوجه الذى يدور عليه صحة الْكَلَام دون الوجه الذي ليس كَذَلكَ فما
الباعث عَلَى ذكر الوجه الذي لا يصح الْكَلَام عليه مثلًا تعطيل العشار بمعنى تعطيل النوق
وحشر الوحوش بمعنى جمعت من كل جانب إذا لم يصح فما الفَائدَة في تعرضهما؟
فالأحسن حمل الْكَلَام عَلَى التَغْليب كما لا يخفى عَلَى اللبيب؛ إذ التَغْليب باب واسع يجري
في فنون كثيرة فما بين النفختين غلب عَلَى ما قبيل النفخة الأولى فعد المجموع مما بعد
النفخة الأولى، فلا وجه لما قيل من أن الْمُرَاد من قبل فناء الدُّنْيَا مجموع ما قبيل النفخة
الأولى وما بعدها إلَى النفخه الثانية، إلا أن يقال إن مراده ما ذكرناه من التَغْليب. قوله فيما مَرَّ
أو بعثت للقصاص فيكون الحشر بهذا الْمَعْنَى بعد النفخة الثانية فلا بد من اعتبار التَغْليب
أَيْضًا. وقيل عليه أَيْضًا أن كون ما بين النفختين مخالف لما قاله في سورة النبإ من أن الدُّنْيَا
تنتهي عند النفخة الأولى، ويمكن أن يقال: الْمُرَاد بالانتهاء انتهاء مدة التكاليف فلا مخالفة فلا
تغفل.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: ست منها في مبادئ قيام الساعة. وهي من قوله: (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ)
إلَى قَوْله: (وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ) وست في الْآخرَة وهي ما في قوله:(وَإِذَا
النُّفُوسُ زُوِّجَتْ)إلَى قَوْله: (وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ)