المفيد للظن فتوضيحه أن كفار مكة ملعونون لأنهم منهمكون في إيذاء الرَّسُول عليه
السلام بسَبَب حب الكفر والمعاصي وكل من هذا شأنه فهو ملعون. أما الصغرى فظَاهر.
وأما الكبرى فلأن من اتصف بهذه الخصال الذميمة من الأمم الْمَاضية لعن لعنًا كبيرًا
ومن البديهية أن اتحاد السبب يؤدي إلَى اتحاد المسبب مع انتفاء المانع وهنا كَذَلكَ
وأَشَارَ إلَى أن القتل مجاز عن اللعن؛ إذ الطرد عن الرحمة يلزم القتل فإن القتل أعظم
العقوبات، واللعن إذا كبر عبر عنه بالقتل، والقرينة قائمة عَلَى أن حَقيقَة القتل ليست لمادة
كقَوْله تَعَالَى: (قاتلهم الله) .
قوله:(فإن السُّورَة وردت لتثبيت المؤمنين على أذاهم وتذكيرهم بما جرى على
من قبلهم)فإن السُّورَة تعليل لكون هذا التقدير أظهر أي لما كان سبب نزول هذه
السُّورَة لتثبيت الْمُؤْمنينَ عَلَى أذاهم بتذكيرهم بما جرى عَلَى من قبلهم بتكذيب رسلهم
وإيذاء الْمُؤْمنينَ ممن آمن برسلهم فصبروا واستيأسوا حتى آتاهم نصرنا فإن البلية إذا
عمت سهلت لا سيما إذا أخبر بهلاك من طغى عليهم، فعلم أن المقسم عليه ما يصيب
[كفار قريش لا ما أصاب أصحاب] الأخدود، فذكره ليكون دليلًا عليه فإن الحكم إذا
كان مدللًا يكون أوقع في النفس.
قوله: (والأخدود الخد وهو الشق في الأرض ونحوهما بناء ومعنى الحق والأحقوق)
ونحوهما أي الشق في الْأَرْض بناء أي لفظًا ومعنى أو ونحوهما. أي الأخدود والخد وهو
الظَّاهر الحق والأحقوق الأول ناظر إلَى الخد [والأحقوق] ناظر إلَى الأخدود عَلَى اللف
والنشر الغير المرتب [والحق] بالضم والإهمال [والأُحقوق] بضم الهمزة كالخد والأخدود الشق
المستطيل في الْأَرْض.
قوله:(روي مرفوعًا: أن ملكًا كان له ساحر فلما كبر ضم إليه غلامًا ليعلمه السحر،
وكان في طريقه راهب فمال قلبه إليه)مرفوعًا وهو الخبر الذي أسند إلَى الرَّسُول عليه
السلام فلما كبِر بكسر الباء الكبر في السن، وأما كبُر بضم الباء فهو مستعمل في غير السن
نحن (كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ) .
قوله:(فرأى في طريقه ذات يوم حية قد حبست الناس فأخذ حجرًا وقال: اللَّهم إن
كان الراهب أحب إليه من الساحر فاقتلها فقتلها)أي فرماها فقتلها فالفاء فصيحة.
قوله:(وكان الغلام بعد يبرئ الأكمه والأبرص ويشفي من الأدواء، وعمي جليس
الملك فأبرأه، فسأله الملك عمن أبرأه فقال ربي فغضب فعذبه)بعد أي بعد ترك الساحر
وملازمته سلوكًا. يبرئ الأكمه بإذنه أي بلغ بسَبَب إطاعته للراهب العابد إلَى المرتبة العليا
حتى صدر منه الكرامة الكبرى، ولعل كون إبراء الأكمه والأبرص كرامة له لأنه كالراهب في
دين عيسى عليه السَّلام وهذا الْمَذْكُور معجزة لعيسى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وقد ثبت في محله أن
كرامة الأولياء معجزة لأنبيائهم. قوله جليس الملك أي نديمه ومصاحبه. فأبرأه أي بخلق الله