لا تخرج من بين الصلب والترائب سواء أريد مخرجها البعيد أو القريب ولم يتفطن أن
الْقُرْآن مشحون بالْمَجَاز كما سيعرف، والإلحاد مانع من تذكر هذه النُّكْتَة الأنيقة، فأجاب أولًا
أنه لا [يتم] من صحة ذلك فإنه مبني عَلَى قول بعض لم يعرف عدالته ولا صدوره عن يقين
بل هي تخيلات لا أصل لها فتتبع ما نطق به الْقُرْآن الذي(لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا
مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ)ولا نلتفت إلَى مثل هذا المزخرف فضلًا
عن التقليد. هذا جواب تحقيقي، ثم سلم ذلك إرخاء للعنان وفسحة في البيان فقال إن النطفة
تتولد أي تتكون فتتولد مجاز عن التكون والحدوث.
قوله:(من فضل الهضم الرابع وتنفصل عن جميع الأعضاء حتى تستعد لأن يتولد
منها مثل تلك الأعضاء)الهضم الرابع إشَارَة إلَى ما تقرر في علم الطب من أن الغذاء
ينهضم أولًا في المعدة بطبخها له بالحرارة الطبيعية الموقدة في مطبخها ثم تجذب صفوته
بعروق متصلة بها إلَى الكبد فتهضمه هضمًا ثانيًا حتى يحصل منه الأخلاط ثم يدفع إلَى
العروق فينهضم فيها هضمًا ثالثًا ثم إلَى الأعضاء جَميعًا فينهضم فيها هضمًا رابعًا بعده
لتنمية الأعضاء وبقائها وما زاد عن ذلك ينفصل عن جميع الأعضاء إلَى مقر المني بعد أن
أودع فيه خَلَّاق القوى والقدر ما يستعد به للتوليد والتخليق كذا قيل.
قوله: (ومقرها عروق ملتف بعضها بالبعض) شروع في بيان ما طعن به بأن مقرها
العروق الْمَذْكُورة ومبدؤها جميع الأعضاء وهذا مخرجه البعيد ومخرجه القرب الإحليل
فَكَيْفَ يكون مخرجها الصلب والترائب مع جواب ما طعن به.
قوله: (عند البيضتين) هذا بيان محل مني الرجل، وأما بيان محل مني المرأة فالعبارة
ساكتة عنه فلينظر إلَى محله.
قوله: (فالدماغ أعظم الأعضاء معونة في توليدها) شروع في الْجَوَاب الذي وعد أي
لو سلم أن تولده من جميع الأعضاء فنسبة خروج المني إلَى ما بين الصلب والترائب؛ لأن
الدماغ أعظم الأعضاء التي تنفصل عنها النطفة. قوله معونة في توليدها تمييز من نسبة
الأعظمية إلَى الدماغ.
قوله: (ولذلك تشبهه، ويسرع الإِفراط في الجماع) أي لكون الدماغ أعظم الأعضاء معونة
في توليدها تشبهه أي تشبه النطفة بالدماغ لونًا ورطوبة وهذا غير ظَاهر؛ إذ الدماغ ليس بمرئي
ويسرع الإفراط الخ. وهذا ظَاهر بالوجدان ولو اكتفى به لكفى؛ إذ الدليل أن يفيد العلم بذلك، وأما
لميته فغير معلومة لكن لا حاجة إلَى ذلك؛ إذ العلم بالمطلب حاصل بما ذكره.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
موضعه وقَوْلُه تَعَالَى: (من بين الصلب والترائب) عبارة مختصرة جامعة لتأثير
الأعضاء الثلاثة فالترائب تشمل القلب والكبد وشمولها للقلب أظهر والصلب النخاع، ولعله لا
يحتاج إلَى التَّنْبيه عَلَى مكان الكبد لظهور ذلك لأنه دم نضيج، وإنما احتيج إلَى ما خفي وهو أمر
الدماغ والقلب في تكون ذلك الماء فيه عَلَى مكانهما.