فهرس الكتاب

الصفحة 10701 من 10841

الواجب لذاته زال ذلك الاضطراب وتستقر دون معرفة أي عند معرفته، وأما معرفة الممكن

فلا يستقر عندها بل يطلب له علة لكونه ممكنًا في وجوده يحتاج إلَى علة ثم وثم حتى

ينتهي إلَى الواجب لذاته فحِينَئِذٍ سكنت عن القلق لأن وجوده من ذاته وذاته يقتضي وجوده

قدم هذا الْمَعْنَى لأنه أنسب هنا لمقابلته غير المتذكر باللَّه تَعَالَى والمحروم عن معرفته

والمشتغل غيره تَعَالَى، ولذا قَالَ هنا وتستغني به عن غيره فلا يرجو إلا رحمته ولا يخاف إلا

عذابه، وأما غير المتذكر فيرجو الضر والنفع عن غيره كالأصنام ففي قوله: (يا أيتها النفس)

الخ. تعريض لضدهم فعلم من هذا البيان أن الترقي التفكر في الأدلة الْعَقْليَّة

الدَّالَّة عَلَى وجود الواجب؛ لأن وجوده لا يعرف بالأدلة السمعية بالاتفاق لتوقف الشرع

عليه، ولو توقف عَلَى الشرع لزم الدور. قيل [فتستفز] بالفاء والزاء الْمُعْجَمَة أي استغنت عَمَّا

سواه والظَّاهر أنه من الاستقرار بالقاف والراء المهملة.

قوله: (أو إلَى الحق بحَيْثُ لا يريبها شك) عطف عَلَى قوله إلَى الواجب الخ. بحَيْثُ

لا يريبها أي لا يقلقها شك. أي تترقى في سلسلة الأسباب والمسببات إلَى الحق وهذا أعم

من الأول ليعم الثواب وعبره من سائر الحق، فإن أبيت عن ذلك فقل: الْمُرَاد بالحق ما سوى

الواجب. وقيل إلَى الحق عطف بحسب الْمَعْنَى عَلَى قوله بذكر الله؛ لأن الْمَعْنَى المطمئنة إلَى

ذكر الله وإلى ذكر الحق قال تَعَالَى: (أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)

والاطمئنان يتعدى بالباء، وأَيْضًا الاطمئنان بالحق لا بذكره، فالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: لأن الْمَعْنَى

المطمئنة بذكر الله وبالحق والظَّاهر ما ذكرناه.

قوله: (أو الآمنة التي لا يستفزها خوف ولا حزن، وقد قرئ بهما) أو الآمنة عطف

على ما قبله بحسب الْمَعْنَى فإن الْمَعْنَى حِينَئِذٍ النفس المطمئنة المستفزة بمعرفة الله

تَعَالَى أو النفس الْمُؤْمنة المتوفاة عَلَى الإيمان. والحاصل أن الاطمئنان إما سكون

الاستقرار في مقابلة الانتقال من الْأَسْباب إلَى المسببات، وإما سكون الأمن في مقابلة

الخوف والحزن، وإما سكون اليقين في مقابلة الريب والشك كما قيل. وهذا عَلَى ما

اختار ذلك القائل، وأما عَلَى ما ذكرناه فالحاصل أن الاطمئنان هُوَ السكونة إما سكون

الاستقرار في مقابلة الانتقال من الْأَسْباب إلَى المسببات إلَى الواجب لذاته فقط، أو إلَى

الحق مُطْلَقًا، وهذا يستلزم سكون اليقين في مقابلة الريب، أو سكون الأمن في مقابلة

الخوف والحزن الخوف لما سيأتي والحزن لما مضى، وهذا يشعر بأن الخوف والحزن

متحققان أولًا فحصل له الاضطراب ثم زال فحصل له الأمن وفيه تأمل؛ إذ ظَاهر قوله

تَعَالَى: (لَا خَوْفٌ عَلَيْهمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) يأبى عنه فإن الْمُتَبَادَر هُوَ

السلب الكلي ورفع الإيجاب الكلي خلاف الظَّاهر فالاكتفاء بالأولين أولى لكنه تعرض

له لقراءة أبي بن كعب كما قَالَ وقد قرئ بهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت