من آمن إِيمَانًا كاملًا ولم يعمل قط يدخل الجنة ولو عذب قبل الدخول بقدر عصيانه أو
فيما شاء الله تَعَالَى عذابه ولا يعرف وجه من قال أي لكونه مستقلًا في كونه سببًا للنجاة
وشكرًا بدون الْأَعْمَال كمن آمن وصدق تصديقًا تامًا ثم مات من يومه قبل أن يجب عليه
من الْأَعْمَال فإن ذلك ينفعه انتهى. والتصوير الْمَذْكُور يوهم أنه لو مات بعد أن يجب
عليه من الْأَعْمَال ولم يعمل فإن الإيمان لا ينفعه [حِينَئِذٍ] والصواب ما صورناه وهو مذهب
أهل الحق، وإنَّمَا حمل ثم عَلَى التراخي في الرتبة لأن الإيمان مقدم في الوجود هذا
مراده. ويرد عليه أن الْمُرَاد هنا عدم الإيمان لأنه عطف عَلَى اقتحم فيكون منفيًا أيضًا
وعدم الإيمان يجوز أن يكون مؤخرًا زمانًا. والْجَوَاب أن النفي تابع للإثبات أو البيان من
الَّذينَ آمَنُوا الخ. فإنه موجود فيهم لكن الأول هو الْمُنَاسب للمرام، وبهذا يندفع الإشكال
أيضًا بأن عدم الإيمان منحط عن عدم العمل، ولما كان النفي تابعًا للإثبات بين المص
طرف الْإثْبَات. قوله واشتراط سائر الطاعات أي صحة سائرها واعتبارها بالإيمان فأبعد
ثم أشرف مما قبله رتبة.
قوله: (وتواصوا) عطف عَلَى (آمنوا) .
قوله: (أي أوصى بعضهم بعضًا. بِالصَّبْرِ على طاعة الله تعالى) أي أمر ورغب بعضهم بعضًا
بالصبر عَلَى طاعة الله ويفهم منه عملهم بالصبر بطَريق الأولوية ففيه مُبَالَغَة في الثناء عليهم
بأنهم جامعون الْكَمَال والتكميل وكذا الْكَلَام في (تواصوا بالمرحمة) وفيه
تنبيه عَلَى تباعد التواصي الْمَذْكُور عن العتق والإطعام لوقوعه في حيز ثم؛ إذ الْكَمَال
والتكميل أفضل من الْكَمَال وحده ودون الإيمان، ولذا أخر عنه وتَقْييد الصبر بـ على طاعة الله
تَعَالَى لكونه مناسبًا للمقام وإلا فهو عام إلَى الصبر عَلَى المصائب وإلى الصبر عن المناهي
ففي قوله طاعة الله تنبيه عَلَى أن الْمُرَاد باقتحام العقبة مطلق الطاعة. وجه تَخْصيص(فك
رقبة)بالذكر ما مر من أنهما أشق عَلَى النفس ويفهم منه سائر العبادات بل
الاجتناب عن المعاصي بدلالة النص.
قوله: (بالرحمة عَلَى عباده) والإحسان عَلَى عباده الْمُؤْمنينَ بعد العمل بها.
قوله: (أو بموجِبات رحمة الله) بكسر الجيم، والْمُرَاد بالموجِبات أسباب رحمة الله
على عباده وهي الْأَعْمَال الصالحة والتَّعْبير بالموجب بناء عَلَى الوعد وهذا منفهم مما سبق
ولذا أخَّره فالْمُرَاد أما رحمة العبد عَلَى عباده تَعَالَى أو رحمة اللَّه تَعَالَى فحِينَئِذٍ لا معنى
للتواصي برحمة الله تَعَالَى فالمضاف مَحْذُوف وهو موجباتها.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وأوصى بعضهم بعضًا. قال الإمام هذا يدل عَلَى أنه يجب عَلَى الْمُؤْمن أن يدل النَّاس
على طريق الحق ويمنعهم من سلوك طريق الباطل، وأنَّ الْأَصْلَ فِي التَّصَوُّفِ أَمْرَانِ: صِدْقٌ مَعَ الْحَقِّ
وَخُلُقٌ مع الخلق. وقال الطيبي رحمه الله: وفيه تحريض عَلَى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.