لأن فاعل هذه الْمَذْكُورات لا يكون غير الله تَعَالَى ولو كسبًا فالمرجع مذكور حكمًا، وبهذا يندفع
المحذور الأول، ودفع الثاني أنه لا محذور في عطف الْفعْل عَلَى الاسم فيما له محل من
الإعراب، فما نقل عن الفراء والزجاج ومن تبعهما من كون الماءات مصدرية فله وجه في الْجُمْلَة
لكن يفوت المُبَالَغَة الْمَذْكُورة في الموصولية مع ما فيه من التَّكَلُّف المذكور فما اختاره الشيخان
أحسن من وجوه. قوله: بقوله متعلق بقوله بنظم لأنه بمعنى الربط والفاء في (فألهمها)
للتعقيب لعدم الاعتداد بما بين التسوية والإلهام لانتفاء الفهم حِينَئِذٍ أو لأن
المسبب كالمتعقب للسبب وإن تراخى عنه لفقدان شرط أو وجود مانع كذا قاله الْمُصَنّف في
قَوْلُه تَعَالَى: (مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا) الآية. [الجواب] الأول تسليم كون
الفاء للتعقيب مع عدم اعتبار ما بين الإغراق والإدخال لفقد شرط الإدخال. والْجَوَاب الثاني
حمل الفاء عَلَى السببية لا التعقيب لكن المسبب بتراخى عنه لفقد شرطه. والحاصل أن السببية
ناقصة فلا محذور في التخلف، وما نحن فيه كَذَلكَ فلا إشكال بأن التسوية قبل نفخ الروح
والإلهام بعدها بزمان طويل، وهذا الطول في جنب طول الإدخال لا يعبأ به أصلًا.
قوله: (وتنكير نَفْسٍ للتكثير كما في قوله:(عَلِمَتْ نَفْسٌ) أو للتعظيم
والمراد نفس آدم وإلهام الفجور والتقوى إفهامهما وتعريف حالهما) والْمُرَاد نفس آدم أي
على تقدير كونه للتعظيم وإلهام الفجور أي عَلَى تقدير كون الْمُرَاد بها آدم عَلَيْهِ السَّلَامُ
إفهامهما وتعريف حالهما من أن الفجور وهو تجاوز الحد وارْتكَاب المعاصي، والتَّقْوَى
الاجتناب عن ذلك يؤدي إلَى سخط عظيم وإلى رضوان جسيم لا إفهامهما حتى يحمل
ذلك عَلَى أن يفجر بل تعريف حالهما للترقي عن البشر وللحمل عَلَى الخير كما في قوله
تَعَالَى: (وهديناه النجدين) أي طريقي الخير والشر فلا إشكال أصلًا ولم
يتعرض بيانهما لظهورهما عَلَى الاحتمال الأول لكن الْمَعْنَى حِينَئِذٍ كَذَلكَ. ولك أن تحمل
البيان عَلَى الوَجْهَيْن وهو الظَّاهر؛ إذ إفهامهما عَلَى الأول أَيْضًا ليس للحمل عَلَى أن يفجر
وهو محال من الشارع.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: أو للتعظيم، والْمُرَاد نفس آدم. قال الإمام: يريد نفسا خاصة من بين النفوس وهي النفس
القدسية النبوية وذلك أن كل كثرة لا بد لها من وحدة يكون هي الرئيس والمركبات جنس تحته
أنواع ورئيسها الحيوان والحيوان جنس تحته أنواع ورئيسها الْإنْسَان والْإنْسَان أصناف ورئيسهم
النَّبيّ والنبيون كثيرون ورئيسهم المصطفى صلوات الله عليه وعليهم.
قوله: وإلهام الفجور والتَّقْوَى إفهامهما وتعريف حالهما. أي تعريف أن أحدهما حسن والآخر
قبيح. قال صاحب الكَشَّاف: التزكية: الإنماء والإعلاء بالتقوى. والتدسية: النقص والإخفاء بالفجور.
وأصل دسى: دسس، كما قيل في تقضض: تقضى. وسئل ابن عباس عنه فقال: أتقرأ(قَدْ أَفْلَحَ مَنْ
تَزَكَّى)، (وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا) . والتَّفْسير بالمكين من الإتيان بهما يعضده قوله:
(قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا(9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا). فإن إسناد التزكية والتدسية إلَى ذي
النفس يشعر بأنه متمكن من اختيار ما شاء من الفجور والتَّقْوَى.