قوله: (أو اسْتئْنَاف وعده بأن الْعُسْرِ متبوع بيسر آخر كثواب الْآخرَة) أي اسْتئْنَاف
بياني جواب سؤال بأن اليسر في مقابلة العسر هل هُوَ مثله أو ضعفه. فأجيب بأنه مشفوع
بيسر آخر، ولهذا اخْتيرَ الفصل. وقيل أي ابتداء كلام لا جواب سؤال وحِينَئِذٍ لا بد من نكتة
الفصل ولا يبعد أن يكون كونه في صورة التكرير، ولا يخفى ما فيه؛ إذ الأئمة لا يعدون مثله
من نكتة الفصل.
قوله: (كقولك: إن للصائم فرحة، أي فرحة عند الإِفطار وفرحة عند لقاء الرب) أشار به
إلى أن الصوم عسر لأنه قهر النفس وإن كان يسرًا من جهة كونه تعبدًا محضًا. قوله فرحتان
أي يسران إحداهما في الدُّنْيَا وهي فرحة عند الإفطار لكونه موفقًا لإتمام الصوم، أو لكونه
واصِلًا إلَى مألوفه لا مانع من جمعهما، والأخرى أخروي وهي فرحة عند لقاء الرب لكونه
مكرمًا بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر عَلَى قلب بشر، ومنه رؤيته تَعَالَى ولذا قيل
عند لقاء الرب ويؤيده قوله عَلَيْهِ السَّلَامُ حاكيًا عن الله تَعَالَى"الصوم لي وأنا [أجزي] به"
والتاء في فرحة للوحدة ولذا جعل مثنى، وقد يكون اليسران في الدُّنْيَا وقد يكونان في
الْآخرَة، ويجوز أن يكن الْمُرَاد بالتثنية التكرير. وفي الْحَديث"إن للصائم فرحتين فرحة عند"
الإفطار وفرحة عند دخول الجنة"فهذا الْكَلَام وارد عَلَى نهج الاقتباس."
قوله: (وعليه قوله عليه السلام «لن يغلب عسر يسرين» ) أي وعليه لا عَلَى غيره. قوله
عَلَيْهِ السَّلَامُ نبه به عَلَى أن الْحَديث مرفوع لا موقوف"لن يغلب عسر يسرين"بين النَّبيّ
عَلَيْهِ السَّلَامُ بطَريق الإشَارَة إلَى أن الْمُرَاد بالْجُمْلَة الثانية اسْتئْنَاف ووعد الخ. فحِينَئِذٍ لا مساغ
لحملها عَلَى التَّأْكيد فضلًا عن تقديمه، إلا أن يقال فإنه خبر واحد غير قاطع أو ما أشار إليه
صاحب الكَشَّاف حيث قال: هذا حمل عَلَى الظَّاهر بناء عَلَى قوة الرجاء وأن موعد الله تَعَالَى
لا يحمل إلا عَلَى ما يحتمله اللَّفْظ وأبلغه وذلك لأن الْجُمْلَة الأولى عدة لا محالة فإذا
حمل الْجُمْلَة الثانية عَلَى العدة المُسْتَأْنَفَة يكون العسر مشفوعًا بيسر آخر فأَشَارَ إلَى أنه عليه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
أبلغ من الاسْتئْنَاف ولولا التَّنْبيه بالأثر والْحَديث عَلَى هذه اللطيفة لم يفهم ذلك من نظم الْكَلَام. قال
الطيبي: ويمكن أن يقال: لما كان ورود الآية في حق الصحابة الكرام ووعدًا لهم بالفرح بعد الشدة
أوجب ذلك أن يحمل عَلَى يسر الدارين أما في الدُّنْيَا فبالغنى بعد الفقر والْقُوَّة بعد الضعف والعز
بعد الذل، وأما في الْآخرَة فلا كلام فيه. هذا وروى صاحب المطلع عن الفراء أن العرب إذا ذكرت
نكرة ثم أعادتها بنكرة مثلها صارتا اثنتين كقولك: إذا كسبت درهمًا فأنفق درهمًا فإن الثاني غير
الأول فإذا أعادتها معرفة فهي هي وذكر الزجاج نحوه وذكر السيد في الأمالي، وإنما كان العسر
معروفًا واليسر منكرًا؛ لأن الاسم إذا تكرر منكرًا فالثاني غير الأول كقولك: جاءني رجل فقلت لرجل
كذا وكذا، وكَذَلكَ إن كان الأول مع معرفة والثاني نكرة نحو: حضر الرجل فأكرمت رجلًا، ولذلك
قال ابن عبَّاس رضي اللَّه عنهما"لن يغلب عسر يسرين".