لأنهم لخلوهم عن العلائق البشرية لا يمنع اشتغالهم بما قدر للناس عن اسْتغْرَاقهم في
مطالعة جماله وجلاله، فالأَولى أن يكون الْمَعْنَى أو تقربهم إلَى الْمُؤْمنينَ لأجلهم فهو تفسير
على قراءة:"من كل امرئ"أو لسلامهم عَلَى الْمُؤْمنينَ كما يفهم من قوله: (سلام هي)
عَلَى التَّفْسير الثاني وهذا بعد تنزلهم إلَى الْأَرْض لكن هذا الْمَعْنَى لا يقصد من
عبارة النص بل يفهم باقتضاء النص فإن تنزلهم وتقربهم إلَى الْمُؤْمنينَ يتوقف عَلَى تنزلهم
إلى الْأَرْض فهو لازم مقدم فيثبت اقتضاء، ثم الْمُرَاد الْمَلَائكَة المدبرات وهم يدبرون الأمر
منَ السَّمَاء إلَى الْأَرْض، وأما الْمَلَائكَة العليون والمقربون فشأنهم الاسْتغْرَاق في معرفة الحق
فقط فإنهم وإن نزلوا لكن ليسوا متقربين إلَى الْمُؤْمنينَ لأجلهم بل لأجل أن يسلموا عَلَى
الْمُؤْمنينَ، إن أريد هذا الْمَعْنَى من قوله: (سلام هي) وإلا فلا. والروح يجوز
رفعه بالابتداء والجار والمجرور بعده خبره وأن يرتفع بعطفه عَلَى الْمَلَائكَة وفيها يتعلق
بقوله: (تنزل) والضَّمير لليلة وعلى الأول للْمَلَائكَة كذا نقل عن المعرب
والثاني أولى وأظهر لأن نزول الروح يفهم صريحًا، وعلى الأول يستفاد التزامًا؛ إذ جملة
والروح حال من الْمَلَائكَة عَلَى طريقة قوله: جاءني زيد والشمس طالعة. فيفهم تنزل الروح
التزامًا، والْمُرَاد به جبْريل أو ملائكة أُخر، أو جند من جنوده، أو خلق أعظم، أو عيسى عليه
السلام، لكن الأولى أن يراد به جبْريل عَلَيْهِ السَّلَامُ لأنه سبب للحياة المعنوية لأنه أمين
الوحي الذي [تحيا] به الْقُلُوب.
قوله: (من أجل كل أمر) هذا بيان أحوال جنس الْمَلَائكَة التي لبعضهم كما عرفته
أشار به إلَى أن مِن بمعنى اللام متعلق بقوله: (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ) قوله من أجل
كل أمر من قبيل انقسام الآحاد إلَى الآحاد.
قوله: (قدر في تلك السنة) أي أظهر تقديره: ويسلم إلَى المدبرات وهم إسرافيل
وميكائيل وعزرائيل وجبرائيل كذا قيل. ويؤيد ما ذكرناه من أنه من قبيل إسناد البعض إلَى
الكل لكن تَخْصيص هَؤُلَاء بالذكر لأنهم موكلون بالأمور العظام وإلا فالمدبرات أكثر من أن
تحصى. قال الْمُصَنّف في أوائل البقرة: فالمدبرات منهم سماوية ومنع أرضية وينكشف منه
أن التنزل مختص بالمدبرات السماوية، وأما المدبرات الْأَرْضية فليس لهم نزول فالْمُرَاد إما
ملائكة السَّمَاوَات أو المطلق فحِينَئِذٍ يكون إسناد التنزل إليهم مَجَازًا. وقيل وهذا عادة الهيئة
لحكمة خفية لا يعلمها إلا هُوَ وإلا فلا حاجة إلَى النزول، إلا أن يقال إن بعض المدبرات
أرضية، وأَيْضًا لما كان التدبير في الأمور الْأَرْضية في الأغلب ناسب النزول لذلك أشار