والاتحاد وأن الله هُوَ المسيح ابن مريم، ومن أسباب كفرهم قول النصارى(ليست الْيَهُود عَلَى
شيء)وقول الْيَهُود: (ليست النصارى عَلَى شيء) .
قوله: (ومِن للتبيين) وهذا حكم عَلَى الكل بحال بعض أفراده، فهذا لا يقتضي كفر
جميع أهل الْكتَاب قبل مجيء النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ والقرينة عَلَى ما ذكرناه تصريح الْمُصَنّف
في سورة المائدة أن [الملكانية] من النصارى عَلَى الاعتقاد الحق في شأن عيسى عَلَيْهِ السَّلَامُ
وكذا الْيَهُود ادعاء كفر جميعهم مشكل، ولذا قيل: والأظهر ما روى ابْن عَبَّاسٍ رضي الله
تَعَالَى عنهما أن أهل الْكتَاب الْيَهُود الَّذينَ كانوا بأطراف المدينة وهم قريظة وبنو النضير
وبنو قينقاع، ونقل عن الإمام الماتريدي في التأويلات أنه قال: إن (مِنْ) تبعيضية لأن أهل
الْكتَاب منهم من آمن ومنهم من كفر. فقول الْمُصَنّف للتبيين إشَارَة إلَى رده لأنه يستلزم أن لا
يكون بعض الْمُشْركينَ كافرًا كما يستلزم أن لا يكون بعض أهل الْكتَاب كافرًا وهو المطابق
للواقع دون ذلك، فهي للتبيين فهو بالنسبة إلَى أهل الْكتَاب الحكم عَلَى الكل بحال بعض
أفراده وبالنسبة إلَى المشركين عَلَى ظاهره.
قوله: (وعبدة الأصنام) خصهم بها لأن الْمُرَاد مشركو العرب ويعرف حال غيرهم
بدلالة النص؛ إذ المشرك من اعتقد للَّه شريكًا في استحقاق الْعبَادَة صنمًا أو غيره، وفيه إشَارَة
إلى حسن مقابلة الْمُشْركينَ بأهل الْكتَاب مع أنهم مشركون أَيْضًا لما مَرَّ من أن النصارى
يعتقد بعضهم أن الله ثالث ثلاثة، وبعضهم أن الله هُوَ المسيح ابن مريم، وبعضهم المسيح ابن
الله، وكذا الْيَهُود قَالُوا عزير ابن الله، فأَشَارَ إلَى أن الْمُرَاد بالْمُشْركينَ في عرف الشرع من عبد
للصنم ولغيره وهم ليسوا كَذَلكَ، ولذا قال مَوْلَانَا أبو السعود حين استفتى بعضهم عن هذه
المسألة: ليس الْمُرَاد من أهل الْكتَاب من عمل بما في الْكتَاب بل آمن بالْكتَاب وعدَّ نفسه من
صاحب ملة سماوية، والْيَهُود والنصارى وإن كان اعتقادهم في هذا قبيحًا لكنهم يعدون
أنفسهم من أصحاب ملة سماوية، فظهر حسن مقابلة الْمُشْركينَ لهم هنا وفي سائر المواضع.
قوله: (عَمَّا كانوا عليه من دينهم) إطلاق الدين عَلَى ما كانوا عليه مع أنه باطل كما
عرفته؛ إذ الدين مشترك اشتراكًا لفظيًا بين الحق والباطل.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
تَعَالَى ما كانوا يقولونه قلل مبعث الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: (وما تفرق الَّذينَ أوتوا الْكتَاب)
يعني أنهم كانوا يعدون الاتفاق عَلَى الحق؛ إذ جاءهم الرَّسُول ثم ما فرقهم عن الحق إلا مجيء
الرَّسُول، ونظيره في كلام النَّاس أن يقول الفقير الفاسق لمن يعظه: لست بففك مما أنا فيه من الفسق
حتى يرزقني الله الغنى، فيرزقه الله الغنى فيزداد فسقًا، فيقول له واعظه: لم تكن منفكًا عن الفسق حتى
[توسر] ، وما توغلت في الفسق إلا بعد اليسار بل كان يسارك الذي تزعمه سببًا لانقطاعك عن الفسق
سببًا حاملًا لازدياد فُجورك بذكره ما كان بقوله توبيخًا وإلزامًا.