قَالُوا في مثل قَوْلُه تَعَالَى: (وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّة) الآية. وعبر هنا
بالْجُمْلَة الاسمية مُبَالَغَة شبه النسبة الاسْتقْبَالِيَّة بالنسبة الواقعة حالًا في تحقق الوقوع فذكر
لفظ المشبه به وأريد المشبه، وأما ثانيًا فبأن الْمُرَاد في الحال عَلَى ظَاهر الْكَلَام لكن يكون
الْمُرَاد بنار جهنم ما يوجبها من الكفر والشرك مَجَازًا بطَريق ذكر المسبب وإرادة السبب قدم
الأول لأن فيه مُبَالَغَة، وقد جوز في الثاني كون النسبة مجازية وكونه اسْتعَارَة. والْمَعْنَى
كالكائنين فيها والمُتَعَارَف في مثله كون الْمَجَاز في الطرف مَجَازًا مرسلًا.
قوله:(واشتراك الفريقين في جنس العذاب لا يوجب اشتراكهما في نوعه، فلعله
يختلف لتفاوت كفرهما)جواب سؤال بأن مقتضى قَوْلُه تَعَالَى: (لها سبعة أبواب)
الآية. أن عذاب الْمُشْركينَ كونه أشد من عذاب أهل الْكتَاب وهنا يوهم
خلافه. فأجاب بأن الاشتراك في جنس العذاب غير ملحوظ فيه أشديته وأخفيته، وأما في نوع
العذاب وهو العذاب المقيد بالدرك الْمَخْصُوص فهم غير مشتركين فيه فإن الْمُشْركينَ
يعذبون في الدرك السادس، والْيَهُود من أهل الْكتَاب في الثاني، والنصارى في الثالث، وعذاب
السادس أشد فعلم منه أن الْمُرَاد من أهل الْكتَاب غير الْمُنَافقينَ فإن عذابهم أشد من
الْمُشْركينَ. قوله فلعله من عادات العظماء حيث استعملوا صيغة الترجي والطمع في مقام
الجزم، وقد عرفت أن التفاوت والاخْتلَاف متحقق جزمًا لما نطق به النص الكريم.
قوله: (أي الخليقة) أشار به إلَى أن البرية بالياء المشددة الأصل فيه الهمزة أي البريئة
كما قرأه نافع وابن ذكوان فهو من برأ بمعنى خلق فالبريئة [فعيلة] بمعنى الْمَفْعُول فمعناه
الخليقة والمخلوقة فقلب الهمزة ياء فأدغم.
قوله: (وقرأ نافع «البريئة» بالهمزة عَلَى الأصل في الموضعين) بدون قلب الهمزة ياء
فالقراءتان متفقتان مبنى ومعنى. وقيل البرية غير مهموز من البر المقصور بمعنى التراب فالقراءتان
مختلفتان لفظًا أصلًا ومادة، متفقتان معنى؛ لأنه بمعنى أنه مخلوق من تراب أي ابتدأ خلقهم من
تراب، وهذا عام لأفراد البشر جَميعًا غير مختص بآدم عَلَيْهِ السَّلَامُ فإنه غير مناسب هنا، والاحتمال
الأول هُوَ الراجح المعول؛ لأن في الثاني تكلفًا ولأنه غير شامل للْمَلَائكَة بل للجن أَيْضًا. وقيل قرأ
نافع وابن ذكوان بالهمزة فيهما والباقون بياء مشددة والْمُصَنّف اقتصر عَلَى نافع ولم يذكر ابن
ذكوان. وضمير الفصل مع كون الخبر محلى باللام يفيد الحصر فلا يتناول عصاة الموحدين كما
أن الثاني لا يتناولهم أَيْضًا فحاله مسكوت عنها.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: واشتراك الفريقين في جنس العذاب الخ. لما ظهر من بيان نكتة إفراد أهل الْكتَاب
بالذكر في الآية الأولى أن حالهم في الجحود أشنع من حال الْمُشْركينَ يقتضي ذلك أن يكُونُوا
بذلك مستحقيق لزيادة العذاب واشتراك الفريقين في عذاب النَّار المفهوم من الآية الثانية يوهم
استواء حاليهما في العذاب، وهذا لا يليق بفعل الحكيم حمل رحمه الله عذاب النَّار في الآية الثانية
على الجنس فيجوز أن يزيد عذاب أهل الْكتَاب عَلَى عذاب أهل الشرك، ويتفاوت [عذابهما] بتفاوت
دركات جهنم بعد اشتراكهما في جنس عذاب النَّار.