العاطفة لأنهما قولان كما أشرنا، والتصدي لبيان مذهب الحكماء شرحًا وجرحًا لا يناسب
في هذا المقام. وبها أي بتلك الْقُوَّة سمي الحيوان حيوانًا لاتصافه بتلك الْقُوَّة، فإذا أزال تلك
الْقُوَّة لا يقال حيوانًا إلا مَجَازًا باعْتبَار ما كان .
قوله: (مَجَازًا في الْقُوَّة النامية؛ لأنها من طلائعها ومقدماتها، وفيما يخص الْإنْسَان من
الفضائل، كالعقل والعلم والإيمان من حيث إنها كمالها وغايتها، والموت بإزائها يقال عَلَى ما
يقابلها في كل مرتبة قال تَعَالَى: (قُل اللَّهُ يُحْييكُمْ ثُمَّ يُميتُكُمْ) . وقال:
(اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتها) وقال:(أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ
وَجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشي به في النَّاس)وإذا وصف به الباري تَعَالَى أريد بها
صحة اتصافه بالعلم والقدرة اللازمة لهذه الْقُوَّة فينا، أو معنى قائم بذاته يقتضي ذلك
على الاسْتعَارَة. وقرأ يَعْقُوب (تُرْجَعُونَ) بفتح التاء في جميع الْقُرْآن) تمهيد لبيان
اسْتعْمَال الحياة في الْأَرْض لأنها أي الْقُوَّة النامية من طلائعها أي مقدماتها ولذا عطفها
عليها عطف تفسير، فيكون مَجَازًا باعْتبَار ما يؤول إليه ولو بحسب الجنس فإنها وإن لم يقبل
الحياة في الْأَرْض والنبانات لكن جنسها قابل لها باعْتبَار تحققه في نوع الحيوان، وفيما
يَخْتَصُّ الْإنْسَان عطف عَلَى قوله الْقُوَّة النامية. قوله من حيث الخ. إشَارَة إلَى العلاقة فيكون
إطلاقًا لاسم المسبب عَلَى السبب من جهة الْكَمَال، وهنا لا كمال له فكالمعدوم والموت
بإزائها الخ. فالموت حَقيقَة في عدم الحياة عمن اتصف بها أو عمن من شأنه الحياة، وقد
تقدم الْكَلَام فيه والموت مجاز في زوال الْقُوَّة النامية وفي زال ما يَخْتَصُّ الْإنْسَان فإنها
ليست من شأنه الحياة ، وهذا الْكَلَام من المص يدل عَلَى أن مراده فيما سبق في قَوْله تَعَالَى:
(وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا) أجسامًا لا حياة لها أنها أجسام ليس من شأنها الحياة فيكون
أمواتًا فيها مَجَازًا، لكن هذا بناء عَلَى أن البنية شرط في الحياة، وهو مذهب الحكماء ومن
تبعه، وأما عندنا فالبنية ليست بشرط في الحياة، فيجوز خلق الله تَعَالَى إياها في الجزء الذي لا
يتجزأ، فما ظنك بالمركب منه ؟ فالموت إن فسر بعدم الحياة عَمَّا من شأنه الحياة فإطلاق
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: لأنها من طلائعها. أي لأن الْقُوَّة النامية من مقدمات الحياة. والطلائع جمع طليعة
الجيش وهي طائفة من الحيش تتقدمه لتطلع طلع العدو .
قوله: وفيما يخصها. عطف عَلَى قوله في الْقُوَّة النامية يعني الحياة مجاز أَيْضًا فيما يخص
الْإنْسَان .
قوله: من حَيْثُ إنه كمالها وغايتها بيان لعلاقة الْمَجَاز .
قوله: قال تَعَالَى: (يُحْييكُمْ ثُمَّ يُميتُكُمْ) مثال لحَقيقَة الحياة والموت وما
بعده من الْآيَتَيْن مثال لمجازهما .
قوله: عَلَى الاسْتعَارَة. قيد لكل واحد من معنى الحياة في البارئ تَعَالَى حيث شبه صحة
اتصافه تَعَالَى بالعلم والقدرة أو الْمَعْنَى المقتضي للعلم والقدرة بالحياة، فاسْتُعيرَت هي له اسْتعَارَة
مصرحة .