بالذات أشبه بالصواب من الْقَوْل بتغايرهما بالذات وأوفق للجمع بين النصوص لعدم الاحتياج
إلى الْقَوْل بالتَغْليب أو الاستثناء المنقطع أو الْقَوْل بالثبوت بالدلالة إلَى غير ذلك، وأنت
تعلم ما فيه من حمل الآيات الناطقة بنزاهتهم وعصمتهم أَجْمَعينَ وغير ذلك مما ثبت ببيان
العلماء أن ليس لهم ذكورة ولا أنوثة ولا أكل ولا شرب حتى صرح الْمُصَنّف في تفسير قوله
تَعَالَى: (وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذه الشَّجَرَة إلَّا أَنْ [تَكُونَا] مَلَكَيْن) الآية.
بأن للْمَلَائكَة الْكَمَالات الفطرية والاستغناء عن الأطعمة والأشربة، ولا دليل أصلًا عَلَى التفرقة
بين ملك وملك من هذا الوجه قال المحقق التفتازاني في شرح العقائد النسفية؛ إذ لم يرد
باتصافهم بالذكورة والأنوثة نقل ولا دل عليه عقل، ثم قال إن قول الْيَهُود إن الواحد
فالواحد منهم قد يرتكب الكفر ويعاقبه الله تَعَالَى بالمسخ تفريط وتقصير في حالهم انتهى.
فاستوعبتني الحيرة ثم الدهشة في أن عظماء العلماء كَيْفَ يتجاسرون عَلَى هفوة صدرت من
أرذل القوم وأردتهم حتى وقعوا فيما وقعوا بقصة إبليس وهاروت وماروت، والأمر في ذلك
سهل والتوفيق بين النصوص عَلَى وجه قررناه مستحسن.
قوله: (وأوفق للجمع بين النصوص والعلم عند الله تَعَالَى) . نقل عن شرح التأويلات
لعلم الهدى ليس في الْقُرْآن ولا في الأخبار أن الْمَلَائكَة ثم يخلقوا إلا من نور. قلنا قد
سبقت الرّوَايَة عن أم الْمُؤْمنينَ عائشة - رضي الله تَعَالَى عنها -"خلقت الْمَلَائكَة من نور"الخ.
والْمَلَائكَة جمع محلى باللام ولا قرينة للعهد فيتعين الاسْتغْرَاق، وهذا قاعدة مقررة في
الأصول فيستدل بها عَلَى أن الْمَلَائكَة لم يخلقوا إلا من نور، كما استدل أمير الْمُؤْمنينَ أبو
بكر - رضي الله تَعَالَى عنه - بقوله عَلَيْهِ السَّلَامُ"الأئمة من فريش"عَلَى أن الخلافة لا تتجاوز
قريشًا فتلقته الأمة بالقبول بناء عَلَى أن اللام في الأئمة للاسْتغْرَاق لما ذكرناه، وتسليم هذا
دون ذلك مكابرة صريحة ورافعة للأمان مع أن أكثر المؤلفين من السلف والخلف عرفوا
الْمَلَائكَة بأنها أجسام نورانية الخ. فقرب الْإجْمَاع عَلَى ذلك وسند ذلك الخبر الصحيح
الْمَذْكُور وقوله بل وردت في الأخبار أنها خلقت من غير نور أَيْضًا. فقد روي أن نهرًا تحت
العرش إذا اغتسل فيه جبرائيل وانتفض يخلق من كل قطرة تقطر منه ملك جوابه أن ما قطر
من النور يكون نورًا وإن كان أصل المادة ماء وانقلاب الماء هواء كما كان صحيحًا صح
انقلابه نورًا حين يقارن نورًا، وما في الخبر أيضًا من قال سبحان الله وبحمده خلق الله تَعَالَى
منه ملكًا يسبح الله تَعَالَى فمعناه خلقه من أجل ذلك ملكًا لا أنه خلق ملكًا من نفس هذا
الْقَوْل عَلَى أنه مادة له. وقوله وفي الخبر إنَّ اللَّهَ تَعَالَى خلق ملائكة من النَّار وخلق ملائكة
بعضها من الثلج وبعضها من النَّار، وكان تسبيحها سبحان الذي ألف بين الثلج والنَّار يعارضه