مُوسَى قومه سبعين رجلًا) والاعتذار بأن الْمُرَاد بالسبعين الجمع الكثير
مَجَازًا فإن كلا من السبعة والسبعين وسبع منه يكون مَجَازًا عن الجمع الكثير لا يدفع
الضعيف، وإن سلم صحة فإن ذلك في تفاوت العددين تفاوتًا فاحشًا غير مُتَعَارَف، ولا ريب
في أن التفاوت بين السبعين وعشرة آلاف فاحش جدًا .
قوله: (والْمُؤْمن به) أي المؤمن به مَحْذُوف، والْمُرَاد به(أن الله الذي أعطاك التَّوْرَاة
وكلمك)قيل وهذا يؤيد كون الْمُرَاد بالميقات ميقات إعطاء التَّوْرَاة وما نقلناه [عن] الفاضل
الخيالي أنهم كَفَرُوا وارتدوا من بعدما آمنوا يدفع هذا التأييد، ويؤيده كون الميقات للاعتذار
عن عبادة العجل وكذا الْكَلَام في قوله (أو أنك نبي) لأن مآل الوَجْهَيْن واحد .
قوله: (لفرط العناد والتعنت وطلب المستحيل) أي سؤالهم للعناد المفرط والتعنت
أي سؤال ما لا يليق ولذلك استحقوا العقاب لكفرهم وارتدادهم، ولو كان سؤالهم
للاسترشاد لما استحقوا ذلك، والقرينة عَلَى ذلك سوق كلامهم حيث ارتدوا بعد ما آمنوا
وعلقوا الإيمان بالرؤية وهي مستحيلة في شأنهم وقاصرون عن رؤيته تَعَالَى لتوقفها عَلَى
حالٍ في الرائي لم توجد فيهم بعد، فالْمُرَاد بالاستحالة الاستحالة بالغير أو الاستحالة بالذات
إن أرادوا رؤيته رؤية الأجسام في الجهات وبإحاطة البصر، وهو مستحيل بالذات، وكلام
الْمُصَنّف مائل إليه، ولو أريد بما ذكرناه أولًا لكان سالمًا عن الإشكال بأنه من أين علم أنهم
ظنوا أنه تَعَالَى يشبه الأجسام وطلبوا رؤية الأجسام، وهذا إشَارَة إلَى رد المعتزلة في
استدلالهم بهذه الآية عَلَى استحالة الرؤية مُطْلَقًا .
قوله:(فإنهم ظنوا أنه تَعَالَى يشبه الأجسام وطلبوا رؤيته رؤية الأجسام في الجهات
والأحياء المقابلة للرائي، وهي محال بل الممكن أن يرى رؤية منزهة عن الكيفية، وذلك
للْمُؤْمنينَ في الْآخرَة)قيل هذا رد عَلَى المعتزلة فإنهم استدلوا بهذه الآية عَلَى استحالة
الرؤية للتكفير بطلبها، وهذا عجب منهم لأن القوم صرحوا بعدم الإيمان بقولهم(لن نؤمن
لك)وعلقوا الإيمان بالرؤية فلو قال لموحد الْمُؤْمن لن نؤمن باللَّه ورسله حتى يأتي أبونا
مثلًا. صار مرتدًا وكافرًا بعد الإيمان ، وهذا مع وضوحه كَيْفَ خفي عليهم؟ لا سيما عَلَى
مشايخهم مع أن ذلك الظن منهم ليس بمُسْتَفَاد من صريح كلامهم ولا قرينة تدل عَلَى ذلك
كما أشرنا إليه أولًا فما المانع من حمل كلامهم عَلَى أنهم طلبوا الرؤية بلا كَيْفَ ولا جهة
ولا فساد في هذا الطلب كطلب سيدنا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ الرؤية كَذَلكَ، وكفرهم لقولهم
(لَنْ نُؤْمنَ لَكَ) كما عرفت. قال الْمُصَنّف في سورة الأعراف ؛ إذ لو كانت الرؤية ممتنعة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: لفرط العناد والتعنت وطلب المستحيل. أقول: إسناد أخذ الصاعقة إلَى العناد والتعنت
مسلم، وأما إلَى طلب المستحيل فلا إذ لا يستلزم طلبهم الرؤية كون المطلوب أمرًا محالًا فإنه
يستلزمه لو كان طلبهم هذا ناشئاً عن اعتقاد كونه تَعَالَى في جهة وهو ممنوع للاحتمال الْمَذْكُور آنفًا
ومع هذا الاحتمال لا يصح نسبة العقوبة إلَى طلب الرؤية .