(ولذلك تؤكد به) نحو أمس الدابر، فالْمُرَاد التَّأْكيد اللغوي لا الاصْطلَاحي، والْمُرَاد النعت
المؤكد وفي كون الفقوع زيادة صفرة يأبى عن كونه تأكيدًا ظاهرًا، فالواضح كونه صفة
مخصصة أو مقيدة (فيقال أصفر فاقع) أراد به الإشَارَة إلَى أن أصل النظم حقه أن يقال
صفراء فاقعة لكن أسند إلَى اللون لما سيجيء (كما يقال أسود حالك) والحلكة شدة السواد
(وفي إسناده إلَى اللون) .
قوله: (وهو صفة صفراء) أي صفة قائمة به حَقيقَة وفي نفس الأمر فحقه أن يسند إلَى
الصفراء بأن يقال فاقعة كما يقال أصفر فاقع بلا ذكر لون لكنه عدل عنه وأسند إلَى اللون
طريق صفة جرت عَلَى غير ما هي له (لملابسة) أي اللون (بها) أي بالصفرة ملابسة المطلق
بالمقيد، والملابسة في الْمَجَاز العقلي عامة لكل ملابسة وكافية فيه أية ملابسة كانت(فضل
تأكيد)أي زيادة تأكيد ؛ إذ أصل التَّأْكيد حاصل بلا ذكر اللون بأن يقال فاقعة، وفي كلامه
إشَارَة إلَى أن لونها فاعل صفراء ولذا لم يؤنث فاقع لإسناده إلَى المذكر مع أن مَوْصُوفه
مذكر لأنه نعت نحوي لما بعده نعت سببي من قبيل فلانة حسن غلامها. ونقل عن أبي البقاء
إنه جوز كون لونها مبتدأ، وفاقع خبره عَلَى أن تكون الْجُمْلَة صفة لـ صفراء لكنه لم يرض به
لتكلفه ولإخلاله يكون فاقع صفة مؤكدة مع أن فيه مُبَالَغَة كما بينه .
قوله: (كأنه قيل صفراء شديد الصفرة صفرتها) وفيه دفع توهم أن يقال بأن العام لا
دلالة له عَلَى الخاص لأن لون الصفرة في نفس الأمر هُوَ الصفرة لا لأن الْمُرَاد باللون هنا
الصفرة بل أريد بلون الصفرة الصفرة ولا محذور فيه، وبهذا الاعتبار جعل من قبيل جد جده
ولا ريب في إفادته المُبَالَغَة كأنه يقول إن صفرتها في الْكَمَال بحَيْثُ سرت إلَى جميع
صفاتها وسرت إلَى الصفرة أَيْضًا كما أن جد جده يفيد المُبَالَغَة بأن يقال إن جده وسعيه بلغ
في الْكَمَال إلَى حيث سرى إلَى جميع صفات المجد حتى سرى الجد إلَى نفسه فجد
واجتهد ذلك الجد .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
به كون فاقع مؤكد الصفراء محل نظر؛ لأن التوكيد يكون بتكرير الْمَعْنَى الأول. والفقوع مع الصفرة
ليس فيه ذلك فالوجه أن يكون هُوَ من باب وصف شيء بصفة بعد وصفه بصفة أخرى قريبة الْمَعْنَى
منها والثانية أبلغ من الأولى، فهذا من باب الترقي في الصفات مثل عالم نحرير وشجاع باسل
وأحمر ناصع فالْمُرَاد التَّأْكيد لما فيه من معنى الصفرة ومعنى الخلوص وصف زائد فهو مثل أسود
حالك من حلك الشعر إذا اشتد سواده والحلوكة شدة السواد، ومنه احلولك الليل إذا اشتد ظلامه .
قوله: وفي إسناده إلَى اللون الخ. فهذا من باب وصف ملابس الشيء بوصف الشيء مبالغة
فيه جد جده وشعره شاعر ونهاره صائم وعيشه راضٍ .
قوله: كأنه قيل شديد الصفرة صفرتها يريد أن اللون هنا هُوَ اللون الْمَخْصُوص الْمُرَاد به
الصفرة ومعنى الفاقع شديد الصفرة فمعنى فاقع لونها شديد الصفرة صفرتها، وفي الكَشَّاف الفَائدَة
في ذكر اللون التوكيد لأن اللون اسم للهيئة وهي الصفرة فكأنه قيل شديدة الصفرة صفرتها من
قولك جد جده وجنونك مجنون .