وَإذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ قَالُوا المُنَافقُونَ خاطبوا بهذا المقول (لأعقابهم) أي لأتباعهم
وبقاياهم الَّذينَ لم ينافقوا فحِينَئِذٍ يكون الْمُرَاد بالبعض الأول الْمُنَافقينَ وهو الأوفق للسياق.
قوله:(إظهارًا للتصلب في اليهودية، ومنعًا لهم عن [إبداء] ما وجدوا في كتابهم.
فينافقون الفريقين) تمهيد لنفاقهم الفريقين أما الْمُؤْمنُونَ فلقولهم آمَنَّا مع أنهم لم يؤمنوا وأما
أعقابهم فلإظهارهم أن لا يكون منكم تحديث في الزمان المستقبل ويُريدُونَ به أنهم لم
يحدثوا في الزمان الْمَاضي والحال أنهم حدثوه حيث قَالُوا حين ملاقاة الْمُؤْمنينَ ورسولكم
المبشر به في التَّوْرَاة وإطلاق النفاق عَلَى الثاني لغوي وعلى الأول شرعي.
قوله: (فالاسْتفْهَام عَلَى الأول تقريع) أي إنكار للواقع بمعنى أن التحديث وقع منكم
لكن ما كان يَنْبَغي أن يقع ذلك فعلم أن الْمُضَارِع عَلَى هذا التقدير بمعنى الْمَاضي اخْتيرَ إما
لحكاية الحال الْمَاضية أو للاستمرار.
قوله: (وعلى الثاني إنكار) أي إنكار للوقوع وهو الإنكار الإبطالي بمعنى أن
التحديث لم يقع منكم بعد ولا يقع أَيْضًا في المستقبل ولذا عطف عليه قوله (ونهي) ميلًا
إلى حاصل الْمَعْنَى وإلا فما معنى النهي هنا؟ ولما كان الاسْتفْهَام في المَعْنَيَيْن للإنكار وإن
كان فرق بَيْنَهُمَا بأن كان في الأول لإنكار الواقع وفي الثاني الإنكار الوقوع تبين أن قوله
تقريع أي توبيخ تفنن في البيان مع الإشَارَة إلَى الْمُرَاد بالإنكار في الاحتمالين يعرفه من ذاق
حلاوة البيان في حل المسلكين وأخَّر هذا الاحتمال لضعفه؛ إذ قوله (وإذا لقوا الَّذينَ آمَنُوا)
أولًا وعطف جملة (وَإذَا خَلَا بَعْضُهُمْ) عليه يلائم الأول فإنه يقتضي كون
الْمُنَافقينَ معاتبين، وأَيْضًا إظهار الإيمان عند ملاقاة الْمُؤْمنينَ شائع غير متصور الكتمان
وتحديثهم بما فتح الله عَلَى الْمُؤْمنينَ معلوم بالعيان فَكَيْفَ يتصور منهم نفاق الفريقين؛ ولذا
نقل عنهم في أول السُّورَة. (وَإذَا خَلَوْا إلَى شَيَاطينهمْ قَالُوا إنَّا مَعَكُمْ) الآية.
ومن هذا تبين أن هذا الاحتمال لا يكاد يصح، ولعل لهذا قال صاحب الإرشاد وهذا مما
لا يليق بشأن التنزيل الجليل.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: فالاسْتفْهَام عَلَى الأول تقريع لأن التحدث قد صدر ووقع من منافقيهم فوبخهم الكفرة
الخلص منهم وعاتبوهم عليه بأن قَالُوا أتحدثونهم الآن بما وجدتم في كتابكم من نعت مُحَمَّد - صلى الله عليه وسلم -
وعلى الثاني إنكار ونهي فإن التحدث بذلك لم يقع ولم يصدر من غير الْمُنَافقينَ فغرض الْمُنَافقينَ
من هذا الاسْتفْهَام الإنكار والمنع من التحدث في الزمان المستقبل أي لا ينبغي أن يصدر منكم
التخدث لذلك في الاسْتقْبَال بل شأنكم التقرر والتصلب عَلَى دينكم [فنافقوا] الْمُؤْمنينَ الخلص
بقولهم عندهم آمنا بأن دينكم حق ورسولكم هُوَ الذي وجدنا تعته في كتاب التَّوْرَاة [ونافقوا] الْكَافرينَ
الخلص منهم بأن قَالُوا لهم أتحدثونهم الآية. أي اسكتوا عندهم عَمَّا وجدتم في التَّوْرَاة من حَقيقَة
دينهم ورسولهم ولا تخبروا به وتصلبوا في دينكم.