العامة خفي، فظهر أن ما كتبت أيديهم كانت تأويلات محرفة كذا قيل. وفيه من المخالفة لما ذكر
الإمام البغوي في المعالم ما لا يخفى. قيل: وإنَّمَا قال ولعل لعدم الجزم بما ذكره رواية، وإنَّمَا
مأخذه مجرد الدراية، فالأولى بل الصواب أن يراد بما كتبوه المحرف بالتبديل كتبديل ربعة
بالطوال، وتغيير أكحل العينين إلَى أزرق ونحو ذلك، والمحرف بالتأويل الزائغ أَيْضًا ،والْقَوْل بأن
مراده بالتأويلات الزائغة التحريفات لا تأويلات آيات التَّوْرَاة بمعان باطلة؛ لأن مكتوبهم نفس
التَّوْرَاة التي حرفوا بعض آياتها لا تفسيرها المشتمل عَلَى التأويل مع كونه خلاف الظَّاهر يرده
قوله: ولعله أراد به الخ. قال في تفسير قَوْلُه تَعَالَى (يُحَرّفُونَ الْكَلمَ) أي يميلونه
عَنْ مَوَاضعه التي وضعها الله فيها إما لفظًا بإهماله أو تغيير وضعه، وإما معنى بحمله عَلَى غير
الْمُرَاد وإجرائه في غير مورده انتهى. فعلم منه أن المحرف معنى مقابل للمحرف لفظًا،وكلاهما
وقعا منهم، فالمكتوب أَيْضًا عام لهما فلا يعرف وجه قوله ولعله أراد الخ. ولا يتضح معناه، وأَيْضًا
قول بعض المحشيين: وتوضيحه إنه يوجب أن يتصور أن كل نبي أتى بوصف لنبي بعده فإنما أتى
به بإشَارَة خفية لا يعرفها إلا الراسخون الخ. مطلوب البيان منه فإن ما ذكره ممنوع فإن المُتَعَارَف
أن هذا في حق النَّبيّ عليه السَّلام خاصة ونعته الشريف مذكور في التَّوْرَاة والْإنْجيل بعبارة
صريحة، كما هُوَ الْمَشْهُور في الرّوَايَة، وقد نقلناه عن المعالم .
قوله: (تأكيد كقولك كتبته بيميني) وجه التَّأْكيد دفع احتمال التَّجَوُّز وبيان أنهم
باشروا ذلك بأنفسهم ولم يأُمرُوا به غيرهم؛ لكون التحريف أشد مواقعة ؛ إذ المباشر للفعل
أشد مواقعة ممن لم يباشره؛ ولأنهم بالغوا في إخفائه وباشروا بأنفسهم، ويحتمل أن يكون
لدفع احتمال الإنشاء فإن الْكِتَابَة شائعة فيه كما يقال كتبت الْقُرْآن، والْمُرَاد إنشاؤه وهنا أريد
بالْكِتَابَة كتابة أنه من تلقاء أنفسهم دون أن ينزل عليهم فقوله (ثم يقولون)
هذا بيان إنهم مع اختراعهم من تلقاء أنفسهم نسبوه إلَى الله تَعَالَى وادعوا بأنه نازل من عند
الله مكتوبًا منَ السَّمَاء، كما هُوَ الشأن في التَّوْرَاة فإنها أنزلت جملة مكتوبة في اللوح فضموا
الجناية بهذا الْقَوْل إلَى الجناية بالْفعْل والتحريف، وجنابة الْقَوْل لما كانت أفحش وأشنع قيل
(ثم يقولون) الآية. بكلمة (ثم) الدَّالَّة عَلَى الاستبعاد، والاشتراء بمعنى
الاستبدال، ودخول الباء عَلَى غير الثمن، والْكَلَام في استعارته قد مَرَّ في قَوْله تَعَالَى:(أُولَئكَ
الَّذينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بالْهُدَى)الآية .
قوله: (كي يحصلوا به) يعني اللام في اشتروا للغرض والتعليل، والعلة للتَحْصيل لا
للحصول؛ فلذا قال كي يحصلوا (عرضًا من [أعراض] الدُّنْيَا) بالعين المهملة ما لا ثبات له
[ويقر منه] ما قيل هُوَ ما كان من [مالٍ] قلَّ أو كثر .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: تأكيد كقولك كتبته بيدي، ومنه قَوْلُه تَعَالَى: (وَلَا طَائرٍ يَطيرُ بجَنَاحَيْه) .