لكفرهم) ولو أضمر لا يفهم ذلك فإن الضَّمير يدل عَلَى الذات فقط بلا تعرض للصفة، هذا
إذا حمل اللام في الْكَافرينَ عَلَى العهد، وإلى ذلك أشار بقوله (فتكون اللام للعهد) بالفاء
السببية قوله (ويجوز أن تكون للجنس) فلا يكون من باب وقع المظهر مَوْضع المضمر بل
يكون عَلَى مقتضى الظاهر، وإنما رَجَّحَ الأول لتقدم ذكر الْيَهُود فكونهم مرادين من الْكَافرينَ
هو الْمُنَاسب لسوق الْكَلَام.
قوله: (ويدخلون فيه دخولًا أوليًّا) لما عرفت من أنهم هم المقصودون بالسوق؛ ولذا
قال (لأن الْكَلَام فيهم) ولو لم يلاحظ ذلك لفَات ارتباط الْكَلَام بما قبله، ونقل عن الطيبي
أنه كناية إيمائية لأن اللعنة إذا اشتملت عَلَى الْكَافرينَ كلهم لزم كون الْيَهُود ملعونين؛ لأن
كفرهم أشد من كفر غيرهم فذكر الملزوم وأريد اللازم فحِينَئِذٍ يكون الْمُرَاد بقوله: ويدخلون
دخولًا أوليًّا أنهم هم المرادون من لفظ الْكَافرينَ لا أنهم داخلون في الإرادة، ولا يخفى ما
فيه من التَّكَلُّف والتعسف؛ لأن الْمُرَاد من اليهود هنا الكافرون المجاهرون والمُنَافقُونَ
منهم ومن غيرهم أشد كفرًا من سائر الْكَافرينَ فقوله لأن كفرهم أشد الخ. ضعيف فلا يتم ما
ذكره من الكناية الإيمانية فإنها بناء عَلَى أن كفرهم أشد من كفر غيرهم وقد بانَ خلافه ولأن
الْمُرَاد من الدخول أنهم داخلان في الإرادة دخولًا أوليًّا، وبهذا القدر يحصل الارتباط فأي
باعث دعي إلَى الحمل عَلَى الكناية الإيمائية وما ذكروه من أن فيه مُبَالَغَة حيث اشتملت
على دعوى أن الجنس كان كله متحقق فيهم لشدة شكيمتهم وفرط قسوة قلوبهم فيعارضه
أن فيه إخراج الْكَلَام عن ظاهره بالمرة؛ إذ الدخول فيهم كالنص في البعضية بمقتضى لفظة
في، وأَيْضًا فيقتضي قوله دخولًا أوليًّا أن غيرهم يدخلون دخولًا ثانيًا ومثل هذا في الكنايات
غير مُتَعَارَف وإن أخرجت الألفاظ فيها عن ظاهرها، وأَيْضًا يلزم منه أن كل ما أتى المظهر
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
لسبق ذكرهم وأصالتهم وتسببهم لاستجلاب هذا الْقَوْل في غيرهم ونظيره ما إذا ظلمك إنسان
فتقول لعنة الله عَلَى الظالمين فيدخل فيه هذا الظالم دخولًا أوليًّا؛ لأنه المقصود بالذات والباقون تبعًا
لأن الْكَلَام سيق له بالأصالة وذهب بعض شراح الكَشَّاف فيه إلَى أنه من باب الكناية وبين أن ذكر
الكفر كأنه لازم من لوازم ذكر الْيَهُود لأنهم لما بالغوا في الكفر والعناد وكتمان أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
ونعى الله عليهم ذلك صار ذكر الكفر كأنه صفة غير مفارقة عن ذكرهم، وهو حسن خلا أن مؤداه أن
ذكر الكافرون وأريد به الْيَهُود؛ لأن الكناية ذكر اللازم وإرادة الملزوم لكن ينبو عنه قوله ويدخلوا فيه
دخولًا أوليًّا؛ لأنه يقتضي دخول غيرهم أَيْضًا إلا إذا أريد بقوله دخولًا أوليًّا أنهم المرادون من لفظ
الْكَافرينَ ابتداء لا أنهم داخلون في الإرادة، وأنشد في هذا الْمَعْنَى صاحب المفتاح:
إذا اللهُ لم يُسْق إلاّ الكرام. فَأَسْقَى وُجُوهَ بَني حَنْبَل
وقال إنه في إفادة كرم بني حنبل كما ترى لا خفاء فيه.