أو الفاصلة (وهو علة أن يَكْفُرُوا) أي علة حصولية (دون اشتروا للفصل) أي لفصل
الْمَخْصُوص بالذم فإنه أجنبي بالنسبة إلَى اشتروا وإن لم يكن أجنبيًا بالنسبة إلَى بئس، وأما
الْقَوْل بأنه علة لاشتروا كما ذهب إليه صاحب الكَشَّاف ؛ إذ الْمَعْنَى عَلَى ذم الكفر الذي أوثر
على الإيمان بغيًا لا عَلَى ذم الكفر المعلل بالبغي انتهى. فليس بشيء ؛ إذ هُوَ تحكم فلذا جعل
المانع الفصل ولم يلتفت إلَى هذا والْقَوْل بأنه [إنما] دعاه إلَى القطع عن أن يَكْفُرُوا أن يكون
المذموم هُوَ الكفر مُطْلَقًا لا الكفر المقيد مدفوع بأن الكفر لا يخلو عن ذلك البغي في نفس
الأمر سواء كان لوحظ أو لم يلاحظ، وقد يقال ليس الفصل بالأجنبي؛ لأن الْمَخْصُوص بالذم
على الْمُخْتَار خبر المبتدأ الْمَحْذُوف، والْجُمْلَة جواب للسؤال عن فاعل بئس فيكون الفصل
بين المعلول وعلته بما هُوَ بيان للمعلول ولا امتناع به انتهى، وأنت خبير بأن كون الفصل
بالأجنبي عَلَى تقدير كون الْمَخْصُوص بالذم كافيًا فيما اختاره المص لأن ينزل أو عَلَى أن
ينزل أي حسدوه عَلَى أن ينزل الله .
قوله: (وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويَعْقُوب بالتخفيف) أي من الْإنْزَال ، والفرق بين
الْإنْزَال والتنزيل قد مَرَّ بَيَانُهُ في قَوْله تَعَالَى: (والَّذينَ يُؤْمنُونَ) الآية.
قوله: (يعني الوحي) أي الموحى ؛ إذ المنزل هُوَ الموحى لا الوحي بالْمَعْنَى المصدري
وفيه إشَارَة إلَى أن النبوة غير مكتسبة بل بفضل الله تَعَالَى، ولفظة (مِنْ) بيانية لمقدر أي أن ينزل
الله شَيْئًا، وهو فضله الموحى، ويحتمل الابتدائية لو أريد بالفضل التفضل، ويحتمل التبعيض ؛ إذ
الوحي بعض من فضله تَعَالَى فالذي طلبوه مع أنه ليس لهم هُوَ الوحي والنبوة وإذا كان
الْمَعْنَى حسدوه عَلَى أن ينزل الله فالجار الْمَحْذُوف هُوَ عن وكونه هُوَ اللام عَلَى تقدير كون
الْمَعْنَى طلبا لأن ينزل الله من فضله ومآل حسدهم عَلَى أن ينزل الله الحسد عَلَى المنزل
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: هُوَ علة [أن] يَكْفُرُوا دون اشتروا هذا رد عَلَى صاحب الكَشَّاف فإنه جعل بغيًا علة اشتروا. قال
بعض الأفاضل من شراح الكَشَّاف: جعله علة اشتروا هُوَ الصواب؛ لأن الْمَعْنَى عَلَى ذم الكفر الذي
أوثر عَلَى الإيمان بغيًا عَلَى ذم الكفر المعلل بالبغي والفصل بغير الأجنبي لا يضر. أقول: وتحقيق كونه
صوابًا أن أصل الكفر من حيث هُوَ مذموم فالحق أن يكون الذم راجعًا إليه نفسه، وإذا جعل بغيًا علة
أن يَكْفُرُوا يكون الذم راجعًا إلَى الكفر لا من حَيْثُ هُوَ كفر بل لكونه معللًا بعلة البغي فينسحب
معنى الذم إلَى القيد لا إلَى أصل الكفر، والمقصود ذم مطلق الكفر لازم الكفر المقيد بقيد البغي أو
يقال في وجه ترجيح كونه علة الاشراء أن إبدال أنفسهم بالكفر كان بمجرد العناد الذي هُوَ نتيجة
البغي والحسد كأنه قيل جنس الاستبدال استبدال أنفسهم بالكفر لأجل محض الحسد عَلَى أن قوله أن
يَكْفُرُوا مَخْصُوص بالذم فلا يكون فصلًا بالأجنبي، وهذا كما ترى عَلَى انسحاب معنى الذم إلَى القيد
لا إلَى أصل المقيد بخلاف الوجه الأول، فإن الذم فيه راجع إلَى أصل المقيد .