ففي كلامه نوع خدشة. قَالُوا نؤمن بما أنزل علينا أي أنهم لكمال عنادهم أو لفرط
حسدهم وانهماكهم في التقليد بدلوا ما قيل لهم من الإيمان بجميع ما أنزل الله فقَالُوا نؤمن
بما أنزل علينا ونكفر ببعض، وهو ما وراء المنزل عليهم إظهارًا لتمردهم، لكن لم ينقل عنهم
كفرهم بما وراءه بل قيد بذلك إيمانهم بالتَّوْرَاة لرد قولهم نؤمن بأن هذا الْقَوْل مقارن بشاهد
يدل عَلَى بطلانه، ولهذا قال ويكفرون .
قوله: (حال من الضَّمير في قَالُوا) ولم يجعله مَعْطُوفًا عَلَى ما قبله ولا اسْتئْنَافًا كما
اختاره بعضهم لأن الحال أدخل في الرد كما عرفت، ثم كون الْمُضَارِع المثبت حالًا بالواو
مختار صاحب الكَشَّاف، والْجُمْهُور يأولونه بالْجُمْلَة الاسمية بتقدير المبتدأ أي وهم يكفرون
أو يجعل مَعْطُوفًا عَلَى ما قبله كما اختاره عبد القاهر في مثل هذا، والتَّعْبير بالْمُضَارِع لحكاية
الحال الْمَاضية في المتعاطفين .
قوله: (ووراء في الأصل مصدر) قال في الصحاح وراء بمعنى خلف وقد يجيء
بمعنى القدام ولكن لم يتعرض لكونه مصدرًا كذا قيل. وعدم التعرض لا يستلزم العدم
واستدل عليه. وقيل بدليل اشْتقَاق المواراة منه فإن المزيد فرع المجرد إلا أنه لم يستعمل
فعله المجرد أصلًا وكفى بهذا دليلًا عَلَى مصدريته وهمزته أصل. اختاره ابن جني مستدلًا
بثبوتها في التصغير في قولهم وريئة، والْمُخْتَار أنها بدل من الياء لقولهم تواريت لأن ما فاؤه
واو لا يكون لامه واوا إلا ندورًا نحو واو اسم حرف الهجاء وثبوتها في التصغير شاذ وكذا
ثبوت الهاء شاذ .
قوله: (جعل ظرفًا) بطَريق النقل وحكمه حكم قبل وبعد في كونه إذا أضيف
أعرب، وإذا اتقطع بني عَلَى الضم .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: حال عن الضَّمير في قَالُوا. أي قَالُوا ذلك والحال أنهم يكفرون بما وراء التَّوْرَاة جعل
الْمُضَارِع المثبت حالًا مع الواو وهو غير جائز عند محققي النحاة فتجويزه هنا إما عَلَى تقدير مبتدأ
أي وهم يكفرون أو عَلَى مذهب ضعيف، وأمَّا من لم يجوز وقوع الْمُضَارِع المثبت حالًا مع الواو
فالوجه عنده أن الواو للعطف عَلَى معنى قَالُوا وكَفَرُوا، والعدول [عن] صيغة الْمَاضي إما لتصوير
الْمَاضي عَلَى صيغة الحال لغرابة الكفر بالشيء بعد العلم بحقيته أو للتنبيه عَلَى أن كفرهم مستمر
إلى زمان الْإخْبَار، والْمُرَاد بما وراء التَّوْرَاة [من] الْإنْجيل والْقُرْآن .