الذي حكاه قَوْلُه تَعَالَى: (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إلَّا مَنْ كَانَ هُودًا)
والجنس وإن عم الْيَهُود أيضًا لكنه مخصص بما نقل عنه. وقيل مخصص بالعقل(منْ دُون
النَّاس)متعلق بـ (خَالصَةً) باعْتبَار كونه بمعنى خاصة. وقيل باعْتبَار تضمنه معنى الاخْتصَاص ولا
حاجة إليه ، واختار صاحب الإرشاد كونه حالًا من (خَالصَةً) أي من ضمير (خَالصَةً) وعلى كل
تقدير يكون مؤكدًا لـ (خَالصَةً) ودون يستعمل للاخْتصَاص وقطع الشركة تقول هذا في دون لك
أو من دونك أي لا حق فيه لك ولا نصيب، وقد عرفت في تفسير قَوْلُه تَعَالَى:(وَادْعُوا
شُهَدَاءَكُمْ منْ دُون اللَّه)إن أصله أدنى مكان من الشيء ثم اسْتُعيرَ للدنو في
الترتيب، ثم اتسع فيه في كل تجاوز حد إلَى حد وتخطى أمر إلَى آخر. والْمَعْنَى خالصة
متجاوزة النَّاس. وحاصله ما ذكر من الاخْتصَاص وقطع الشركة ولا يكون هذا معنى آخر
معنى غير التجاوز بدون، وقد عرفت أنه تأكيد فلا يضره فهم الاخْتصَاص من تقديم الظَّرْف
والظَّاهر أن الْيَهُود ادعوا ادعاء باطلًا أن من عداهم ممن كانوا قبل حدوث الْيَهُودية أو بعده
فإنهم لشدة شكيمتهم ينكرون ما هُوَ معلوم عندهم ويدل عليه قَوْلُه تَعَالَى:(وَقَالَت الْيَهُودُ
لَيْسَت النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ)الآية. مع أنهم يعرفون النصارى[عَلَى شيء
قبل]نسخ شريعتهم ولهذا قال تَعَالَى:(وَهُمْ يَتْلُونَ
الْكتَابَ)ردًا عليهم وإشارة إلَى أن كلا الفريقين أي الْيَهُود والنصارى يقصد
كل منهما إبطال دين الآخر من أصله والكفر بنبيه وكتابه مع أنهم يعرفون حَقيقَة ذلك فإذا
كان حالهم كَذَلكَ، فلا وجه للإشكال بأنهم لا ينكرون أن من مات قبل حدوث الْيَهُودية عَلَى
شريعة إبْرَاهيم عَلَيْهِ السَّلَامُ يدخل الجنة، وَأَيْضًا لا ينكرون دخول مثل نوح وإبراهيم
وإسحاق ويَعْقُوب عليهم السلام الجنة لما عرفت أنهم ينكرون كثيرًا من الاعتقادات التي
يعرفونها مثل إنكار نبوة نبينا عَلَيْهِ السَّلَامُ والْقُرْآن المجيد وسائر ما في التَّوْرَاة مما يعرفونه
وينكرونه فلا عجب أن ينكروا دخول سائر النَّاس برمتهم الجنة، وليت شعري أنه من أين
يعلم هذا القائل أنهم لا ينكرون أن من مات قبل حدوث الْيَهُودية عَلَى شريعة إبْرَاهيم
عَلَيْهِ السَّلَامُ يدخل الجنة وقد أخبر الله تَعَالَى: [أنهم قَالُوا] (لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إلا من كان
هودا)الآية. بطَريق الحصر الظَّاهر في الحصر الحقيقي فنطلب من ذلك
دليلًا يخصصه ويجعله حصرًا إضافيًا ودون بيانه خرط القتاد، والله رءوف بالعباد. غاية الأمر
أنه يحتمل احتمالًا ضعيفًا أن يكون الحصر إضافيًا بالنسبة إلَى الْمُسْلمينَ عَلَى أن اللام