والتمرد فيه، ومراده أن كون الْمُرَاد بالفاسقين الْكَافرينَ منفهم من المقام، وأما التمرد فيه فلأن
(إذا استعمل في نوع من المعاصي) كفرًا كان أو غيره (دل عَلَى عظمه) في بابه وهنا استعمل
في الكفر الذي هُوَ نوع من المعاصي، فدل عَلَى أن كفرهم أعظم من كفر غيرهم، فإن الآيات
واضحة لا يشوبها شبهة، فيكون الكفر بها عنادًا واستكبارًا لا جهلًا فيكون أعظم وعذابه أشد
وأعظم. قوله (كأنه متجاوز عن حده) وإنما قال كأنه؛ إذ لا تجاوز حَقيقَة عن حده والتجاوز
عن الحد وما يشبه يكون أعظم.
قوله: (نزل في ابن صوريا) قيل فهو عطف عَلَى قوله (قل من كان عدوا لجبْريل)
عطف القصة عَلَى القصة، وفيه نظر فإن عطف القصة يجب أن تكون جملًا متعددة، فالأولى
أن يكون هذا الْكَلَام جملة ابتدائية سيقت لبيان جناية الْيَهُود متعلقة بالوحي آثر بيان جنايتهم
المتعلقة بمنزل الوحي.
قوله: (حين قال لرسول الله عَلَيْهِ السَّلَامُ) فصيغة الجمع في الفاسقون لرضاء غيرهم
من الْيَهُود بذلك يؤيد ذلك قوله (ما جئتنا بشيء نعرفه) بصيغَة المتكلم مع الغير، هذا إن
حمل لام الفاسقون عَلَى العهد، وأما إذا حمل عَلَى الجنس فيدخلون فيه دخولًا أوليًّا فينتظم
الْكَلَام بما قبله أَيْضًا انتظامًا تامًا، والحصر المُسْتَفَاد منه لا يحتاج إلَى العناية حِينَئِذٍ، وأما في
العهد فيحتاج الحصر إلَى أن يقال إن كفر ما عداهم بالنسبة إلَى كفرهم كالعدم، وفيه تأمل
فالحمل عَلَى الجنس أسلم، والحمل عَلَى العهد أنسب وأحكم، وحديث ابن صوريا مروي
عن ابْن عَبَّاسٍ - رضي الله تَعَالَى عنهما - (وما أنزل عليك من آية فنتبعك) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
أعظم ذلك النوع من كفر وغيره، فإذا قيل هُوَ فاسق في الشرب فمعناه هُوَ أكثر ارْتكَابا له، وإذا قيل
هو فاسق في الزنى يكون معناه هُوَ أشد ارْتكَابًا له، واللام في الفاسقون إما للجنس فيدخل فيه
الكافر الْمَخْصُوص الذي نزلت الآية في حقه دخولًا أوليًّا، واختار الجنس للمُبَالَغَة ليكون كالبرهان
على كفره الغالي، وإما للعهد والمعهودون أهل الْكتَاب الْمَذْكُورون في الآيات المتقدمة وأيًا كان
يكون الْمُرَاد بالفاسقين الكافرون لكنهم لما عبروا بلفظ الفاسقين أريد بهم المفرطون في الكفر
الغالون فيه، وإنما حمل هَاهُنَا عَلَى ذلك؛ إذ لا معنى لأن يقال وما يكفر به إلا الكافرون؛ لأنه لا يفيد
بخلاف ما لو قيل: وما يكفر به إلا الغالون في الكفر. فقوله والفسق إذا استعمل الخ. بيان لوجه تفسير
الفاسقين بالمتمردين من الكفرة. وفي الكَشَّاف والأحسن أن يكون إشَارَة إلَى أهل الْكتَاب يعني أن
اللام في الفاسقون مع جواز أن تكون للجنس ويدخل فيه الْيَهُود دخولًا أوليًّا عَلَى سبيل المُبَالَغَة
الأحسن أن يحمل عَلَى العهد، ووجه حسنه إفادة التَّخْصِيص المُسْتَفَاد من ما وإلا ليسجل عليهم
خاصة التمرد والفسق الْمَعْنَى لا يصدر مثل هذا الفسق إلا من هَؤُلَاء والترقي من الأهون إلَى
الأغلظ في الْإنْسَان لا سيما عَلَى قراءة (أَوْ كُلَّمَا) بسكون الواو في الإضراب أثبت أولًا أنهم مبالغون
في الفسق ثم أضرب عنه بقوله (أَوَكُلَّمَا) عاهدوا عهدًا نبذه فريق منهم أي ليس هذا أول فسقهم
وكفرهم بآيات الله يا مُحَمَّد بل كلما عاهدوا عهدًا نبذه فريق منهم من الَّذينَ مضوا ثم أضرب عن
هذا إلَى ما هُوَ أعلى منه بقوله: (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمنُونَ) أي ما صدر النبذ من
فريق منهم فقط بل أكثرهم كافرون.