نفسها وصيغة التَّفْضيل بالنسبة إلَى العباد. توضيحه أن النَّاسخ إذا كان ناسخًا للحكم سواء
كان ناسخًا للتلاوة أو لا، لا بد أن يكون مشتملًا عَلَى مصلحة غير المصلحة التي يتضمنها
الحكم المرفوع ؛ إذ الأحكام إنما شرعت لمصالح العباد تفضلًا منه تَعَالَى، ثم إنه لا يخلو
كون النسخ إلَى ما هُوَ أخف منه أو أثقل فإن كان أخف بكون الخيرية في النفع وإن كان
أثقل يكون الخيرية في الثواب هذا في نسخ الحكم وإن كان في اللَّفْظ ما إلَى أخصر منه
للنفع أو إلَى أطول للثواب وإن كان فيهما جَميعًا فيعلم حاله مما ذكر فإن كان إلَى ما هو
أخف وأخصر فالخيرية في النفع، وإن كان إلَى أثقل وأطول فالخيرية في الثواب، وإن كان
إلى أخف حكمًا وإلى أطول لفظًا فالخيرية في النفع والثواب جَميعًا، وكذا في عكسه مع
العكس في الخيرية، ثم إن أخف في الحكم يعم نسخ الواجب إلَى المباح كنسخ صوم
عاشوراء وإلى الواجب الذي هُوَ أخف من الواجب المنسوخ كما في العدة فإنها كانت
حولًا ونسخة المدة بأربعة أشهر وعشرًا، وأما النسخ إلَى الأثقل فلا يكون إلَى المباح بل إلَى
واجب أثقل من الواجب الأول كنسخ صوم عاشوراء عَلَى قول أو نسخ صوم ثلاثة من
كل شهر بصوم رمضان، وإذا كان النَّاسخ في التلاوة فقط لا يتصور الخيرية في النفع لعدم
تبدل الحكم السابق فهو إما خير منه في الثواب أو مثل له .
قوله: (أو مثلها في الثواب) لم يذكر النفع لاقتضاء المماثلة فيهما عدم الفَائدَة في
النسخ ولم يعكس لأن المقصود من النسخ هُوَ النفع فيلزم أن يكون البدل أنفع من المنسوخ
وإن تساويا في الثواب كالقبلة التي كانت عَلَى جهة ثم حولت إلَى الكعبة فإن السجود إليها
وإلى سائر النواحي متساوٍ في العمل والثواب والذي أمر الله تَعَالَى به في ذلك الوقت كان
أصلح وأدعى للعرب وغيرهم إلَى الْإسْلَام ، كذا في الوسيط نقله عنه بعض المحققين.
وحاصله أن كون النَّاسخ متساويًا في النفع منافٍ لمصلحة النسخ؛ لأنه لو لم يترجح النَّاسخ
في زمان النسخ في النفع والمصلحة لم يكن للنسخ جهة، فلا جرم أن النَّاسخ يكون خيرًا من
المنسوخ في زمان النسخ في المنفعة، وأمَّا الثواب فقد يكون ثواب النَّاسخ أكثر من ثواب
المنسوخ بأن يكون أطول منه أو باشتماله عَلَى توحيد وصفات أو غير ذلك وقد يكون
مماثلًا لثواب المنسوخ فقَوْلُه تَعَالَى: (أَوْ مثْلهَا) محمول عَلَى المثلية في
الثواب فقط دون النفع، وبهذا البيان ظهر أن ذكر النفع هنا كما في الإرشاد لا يخلو عن كدر
إذ الْحكْمَة في النسخ بينوا أن ما يخالف الأحكام وجزئياتها بسَبَب تفاوت الأعصار في