قوله: (وقرأ نافع ويعقوب:(لا تَسْأَلْ) على أنه نهي للرسول صلّى الله عليه وسلّم عن
السؤال عن حال أبويه) فيكون نهيًا مبنيًا للفاعل عن حال أبويه، كما روي أنه عَلَيْهِ السَّلَامُ قال ليت
شعري ما فعل أبواي؟ فنهى عن السؤال عن أحوال الكفرة والاهتمام بأعداء الله تَعَالَى، فإن
سبب النزول وإن كان في حق أبويه لكن الحكم عام ؛ إذ قد مرَّ أن خصوصية السبب لا
يقتضي اخْتصَاص الحكم، فالحكم عام لجميع الكفرة، كما أشير إليه في الكَشَّاف قيل: قال
ولي الدين العراقي لم أقف عَلَى هذه الرّوَايَة في حديث. وقال السيوطي: ونعمَّا قيل: فإنه لم
يرد في ذلك إلا أثر معضل ضعيف الإسناد، فلا يعول عليه، والذي يقطع به أن الآية في كفار
أهل الْكتَاب كالآيات السابقة والتالية، وإنَّمَا جمع الآيات لأن آية قَوْلُه تَعَالَى:(وقال الَّذينَ
لا يَعْلَمُونَ)الآية. في الْمُشْركينَ عند أكثر أهل التَّفْسير لكن الآيات السابقة
من قَوْلُه تَعَالَى: (وقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ) إلَى هنا في كفار أهل الْكتَاب
وإن كان بعضها محتملًا كونه في الْمُشْركينَ فلا معنى للإشكال بأنه كَيْفَ يصح دعوى القطع
بذلك مع أن السياق في الْمُشْركينَ؟ فإن هذا ذهول عن إيراد الآيات جمعًا ، مع أنه لا كلام في
الآيات التالية، والْكَلَام في مجموعها، والإشكال بأنه عَلَيْهِ السَّلَامُ كان عالمًا بكفرهما وكان
عالمًا بأن الكافر يعذب فمع هذا العلم كَيْفَ يمكن أن يقول ليت شعري ما فعل أبواي، كما
نقل عن الإمام، مدفوع بأن السؤال يجوز عن كيفية عذابهما من الخفة والشدة. قيل: وقد ورد
في الأثر وإن كان ضعيفًا أن الله تَعَالَى أحياهما حتى آمَنَّا به عَلَيْهِ السَّلَامُ ولتعارض
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: وقرأ نافع ويَعْقُوب (لا تَسْأَلْ) الخ. وقَالُوا [بالرفع] هي قراءة الجماعة سوى نافع فإنه
انفرد بقراءة (ولا تَسْأَلْ) بفتح التاء وجزم اللام عَلَى النهي. قال الزجاج: أما الرفع فعلى وَجْهَيْن:
أحدهما أنه اسْتئْنَاف فكأنه قيل ولست تسأل عن أصحاب الجحيم، فإنما عليك البلاغ وعلينا
الحساب، وثانيهما أنه حال أي أرسلناك غير سائل عن أصحاب الجحيم . وقال الطيبي: الْمَعْنَى
على القراءة الأولى إذا كان حالًا كان قيدا للفعل، وعلى أن يكون اسْتئْنَافًا يكون تذييلا.
ومرجعهما إلَى معنى إنَّا أَرْسَلْنَاكَ لأن تبشر وتنذر لا تسأل عن أصحاب الجحيم. أي ما كلفناك
بأن تجبرهم عَلَى الإيمان، وفيه فائدتان: إحداهما الإيذان بانشراح الصدر وأنه في فسحة منهم إن
لم يؤمنوا، وهو الْمُرَاد بقوله وهذه تسلية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتسرية عنه، وثانيهما إظهار أن الحجة
قد لزمت الْكُفَّار وأنه - صلى الله عليه وسلم - بلَّغ ما كان عليه؛ لأن هذا القيد إنما يصار إليه إذا تجاوز رسول الله
-صلى الله عليه وسلم - من البشارة والنذارة إلَى ما توهم منه الإجبار، وإليه الإشَارَة بقوله ما لهم لم يؤمنوا، وأمَّا
على القراءة بالجزم فالنهي إما مجرى عَلَى ظاهره والمخاطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحده وهو المراد
بقوله نهى الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - [عن السؤال] عن حال أبويه أو عبارة عن تعظيم الأمر وتهويله والمخاطب كل من
يتأتى منه السؤال، ثم التعظيم والتهويل إما عائد إلَى المجبر أو إلَى السامع، وإذا كان نهيًا لرسول
الله - صلى الله عليه وسلم - عن السؤال عن حال أبويه كانت الآية نزلت فيما روي عن ابن عباس أن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال
ذات يوم"ليت شعري ما فعل أبواي؟ فنهى عنه بـ (لا تسأل عن أصحاب الجحيم) ."