لكن لكونه معلومًا متيقنًا كالمحسوس اسْتُعيرَ له اسم الإشَارَة ويتوسل بصيغَة البعد إلَى علو
منزلة المشار إليه، فإن كل عال بعيد الوصول إليه لعلوه فـ [حِينَئِذٍ] المشبه به أحد الأمرين أو كلاهما
بتأويل ما ذكر فلفظة (أَوْ) لمنع الخلو.
قوله: (أي كما جَعَلْنَاكُمْ مهديين إلَى الصراط المستقيم) (ما) مصدرية؛ إذ المشبه به
الجعل، وفيه تنبيه عَلَى أن كَذَلكَ مَفْعُول مطلق للتشبيه أي مثل الجعل الْمَذْكُور جَعَلْنَاكُمْ كما
قيل والأظهر إنه منصوب محلا عَلَى أنه نعت لمصدر مَحْذُوف أي جعلًا مثل الجعل
الْمَذْكُور جَعَلْنَاكُمْ والتقديم إما للاهتمام أو للحصر.
قوله: (أو جعلنا قبلتكم أفضل القبل) وهي الكعبة أفضل القبل بالْإضَافَة إلَى ذاته في
قوله: (وَطَهّرْ بَيْتيَ) وفهم أفضلية قبلتنا غني عن البيان، فلا إشكال بأنه لا
يفهم منه كون قبلتهم أفضل القبل والناسخ لا يلزم أن يكون خيرًا من المنسوخ، فإن هذا
الإشكال بعد الوقوف عَلَى أن الْمُرَاد الكعبة مما لا وجه له، وأما الْقَوْل بأنه عَلَى التَّفْسيرَين
يرد أن الجعل المشبه به غير مختص بهذه الأمة لأن مؤمني الأمم السابقة كانوا أَيْضًا مهديين
إلَى صرَاطٍ مُسْتَقيمٍ، وكان قبلة بعضهم أفضل القبل أَيْضًا، والجعل المشبه مختص بهم فلا
يحسن التشبيه فمدفوع بأن الْمُرَاد بكون قبلتهم أفضل القبل أفضلها بالنسبة إلَى قبلة الْيَهُود
والنصارى وهي جهة المغرب والمشرق، وقد عرفت أفضلية الكعبة منهما، والقرينة عَلَى ذلك
كون الْكَلَام لردهم، أَلَا [تَرَى] أن قَوْلُه تَعَالَى:(لَيْسَ الْبرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قبَلَ الْمَشْرق
وَالْمَغْرب)رد لهم في قولهم البر هُوَ التوجه إلَى قبلتهم فرد الله تَعَالَى وقال
ليس البر ما أنتم عليه فإنه منسوخ، ولكن البر ما بينته واتبعه الْمُؤْمنُونَ. كذا قاله المص هناك.
وأشار هنا إجمالًا إلَى ذلك، فالإشكال عليه غفلة أو تغافل عَمَّا فهم من تلك الآية. عَلَى أنه
قد عرفت أن مراد المص بقوله كما جعلنا قبلتكم أفضل القبل. هي أفضلها في الواقع بالنسبة
إلى قبلة الطائفتين لا لكونها منسوخة، مع أنه لا يبعد أن يكون الْمُرَاد بكون النَّاسخ أفضل
من المنسوخ حين كون العمل بالنَّاسخ والمنع عن العمل بالمنسوخ وإن كان مثله في
الأحقية في وقته وأن الجعل المشبه به مختص بهذه الأمة فإن كونهم مهديين إلَى صرَاطٍ مُسْتَقيمٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
التحويل فقال الأستاذ لا بل إشَارَة إلَى الجعل الذي اشتمل عليه قوله: (جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً)
أي جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا مثل هذا الجعل العجيب، ثم قال: ويرد عليه أن تشبيه
الشيء بنفسه لكنا نقول بالفارسية همجنين كرديم مي كنيم واين أشار تست باين فعل. وكأنه لا
تشبيه فيه بنفسه وسيرد عليك أمثال هذا الْمَعْنَى. أقول: ليس فيه ما يوهم أنه تشبيه الشيء بنفسه
حتى يقال كأنه، بل يستعمل مثل هذا في تشبيه فعله الآخر بفعله هذا؛ لأن معنى قول العجم في
مقام التمدح همجنين مي كنيم هُوَ كاري كه ما مي كنيم آنرا همجنين مي كنيم. يعني جميع
كارهاي مادرنيكي همجنين است نا أن كه نيكي همان درهمين كار باشد. عَلَى إنه ليس في كلام
الكَشَّاف هنا ما يدل عَلَى أن ذلك إشَارَة إلَى ما بعده، بل الأظهر أن يراد بالجعل في قوله ومثل
ذلك الجعل العجيب تحويل الْقبْلَة المدلول عليه بما قبله.