أيضًا فلا دلالة فيه عَلَى أن الْمُرَاد المحمدة قوله (إذ ما من غير) أي نفع فيه للعباد(إلا
وهو)تَعَالَى (موليه) معطيه.
قوله: (بوسط) وهو ما لاختيار العبد مدخل فيه كالعلم وسائر المعارف من
مكسوبات العبد (أو بغير وسط) وهو ما لا مدخل فيه لاختيار العبد أصلًا كالحسن
والشجاعة والقوى المدركة والمحركة وتناسب الأعضاء وغير ذلك من النعم الموهبية كما
فصل في تفسير (أنعمت عليه) وإلى هذا أشار بقوله (كما قال الله تَعَالَى:(أوما بكم من
نعمة فمن الله)الآية. وكون النعم الموهبية مما يحمد عليه قد مرَّ بيانه. فإن
قيل إذا كان بوسط فذلك الوسط يَخْتَصُّ أيضًا الحمد فلا يكون كله له تَعَالَى؟ قلنا قد سبق
جوابه من أن الكسب بالنسبة إلَى الخلق لا يعبأ به وإن كان في ذاته مدار الثواب والعقاب
وهذا مراد من قال إن ذلك راجع إليه تَعَالَى باعْتبَار كون الأقدار والتمكين منه تَعَالَى وإليه
أشار الْمُصَنّف بقوله في الْحَقيقَة، ولما كان الشر مقضيًا بالعرض وأنه متضمن للخير لم يقل
ما من غير وشر مع أن مقام الحمد يقتضي تَخْصيصه بالخير فلا مفهوم وإن كان القائل ممن
يقول به قَوْلُه تَعَالَى: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) فإنه يدل عَلَى أن المؤثر
في النعم كلها هُوَ الله تَعَالَى فإن معنى كونها من اللَّه صدورها منه تَعَالَى وهذه الآية. برهان
ساطع عَلَى أن الحمد لغيره تَعَالَى لَيسَ بحمد بل بحسب الظَّاهر فما فهم من إثبات الحمد
لغيره تَعَالَى مثل قوله ذمًا للكافرين ويجوز أن يحمدوا (بما لم يفعلوا)
الآية. فإنه يدل بمفهومه عَلَى أنهم إن أحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا من الأفعال الحسنة
استحقوا هذا الذم فهو محمول عَلَى ظَاهر الحال.
قوله: (وفيه إشعار بأنه تَعَالَى حي قادر مريد عالم) أي في إثبات الحمد له تَعَالَى لأن
الحمد يقتضي أن يكون المحمود عليه اختياريا بخلاف المدح والْفعْل الاختياري لا يصدر
إلا من الْمَوْصُوف بتلك الصفات، وعن هذا قال (إذ الحمد لا يستحقه إلا من كان هذا شأنه)
وفيه إشَارَة إلَى أن الحمد بمعنى الوصف بالجميل لا بمعنى المحمدة فمن حمل الحمد
عليه هنا فقد غفل عن إشارته في مواضع عديدة من كتابه ولا إشار في المدح ولذا اخْتيرَ
الحمد ولعل الأولى ترك هذا البيان والله المستعان والحياة حَقيقَة في الْقُوَّة الحساسة أو
ما يقتضيها وإذا وصف بها الباري تَعَالَى أريد بها صحة اتصافه بالعلم والقدرة اللازمة