قوله: (شَيْئًا فشَيْئًا) أي تبليغًا تدريجيًا كتبليغ النطفة إلَى مرتبة الْإنْسَانيَّة تدريجًا في
أطوار الخلق قال الله تَعَالَى: (وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا) ويفهم منه أن تبليغه
الموجود إلَى كماله دفعيًا لا تدريجيا لا يكون تربية وفيه إشكال لأنه رب الْعَالَمينَ ومنهم
من خلق دفعيًا تاما كاملًا كمن لَيسَ له حالة منتظرة كالْمَلَائكَة عليهم السلام قوله شَيْئًا فشَيْئًا
حال ؛ إذ الْمَعْنَى متدرجًا مترتبا والظَّاهر من كلام الْمُصَنّف أن التدريج معتبر في مفهوم التَّرْبيَة
سواء عبر بالتفعيل الدال عَلَى التدريج كالتَّرْبيَة أولًا كالتَّرْبيَة وما قيل وفيه إشَارَة إلَى أن
التفعيل يدل عَلَى التدريج ضعيف فإنه لا ينتظم في لفظ الرب بل قيل الضَّمير في وهو تبليغ
الشيء عَلَى ما في بعض النسخ راجع إلَى الرب والتعريف له وعلى هذا فإضَافَته معنوية
يصح أن يقع صفة .
قوله: (ثم وصف به للمُبَالَغَة) أي ثم وصف المربي به للمُبَالَغَة في اتصافه بالتَّرْبيَة
حتى كأنه عين التَّرْبيَة فيكون مَجَازًا عقليا أسند إلَى غير ما هُوَ له وقد مَرَّ تَوضيحُهُ آنفًا، وإنما
قال ثم وصف به لأن اسْتعْمَاله محمول عَلَى الذات بعد اسْتعْمَاله مصدرًا غير محمول
على الذات للمُبَالَغَة (كـ) ما أن اسْتعْمَال (الصوم والعدل) محمولا ن عَلَى رجل بعد
اسْتعْمَالها بمعنى الحدث غير محمولين عَلَى الذات للمُبَالَغَة والظَّاهر أنه وصف مسند إلَى
ضمير مسند إليه تَعَالَى والإسناد إلَى الجار والمجرور مرجوح .
قوله: (وقيل هُوَ نعت) قائله صاحب الكَشَّاف وهو قائل بالأول أَيْضًا لكنه آخره
والْمُصَنّف قدمه ورجحه ونسب إليه ضعفه لاحتياجه إلَى النقل من المتعدي إلَى اللازم كما فعل
في الرحمن ؛ إذ الظَّاهر أن مراده الصّفَة المشبهة مع فوات المُبَالَغَة الْمَذْكُورة الراجحة لدى أرباب
البلاغة ولا يعدل عنها ما أمكنت المساغة ثم الأولى. وقيل هُوَ صفة والْقَوْل بأنه من شأنه أن
ينعت به يشعر بضعفه ولم يصرح بكونه صفة مشبهة وإن ذهب إليه شراح الكَشَّاف لأن شارح
التسهيل منع كونه صفة مشبهة وقال الظَّاهر إنه من مُبَالَغَة اسم الْفَاعل أو اسم فاعل وأصله راب
فخفف بحذف الألف فصار ربًا وعدم تعيينه للإشَارَة إلَى ذلك الاحتمال .
قوله: (من ربه يربه فهو رب) أي من المتعدي ذكر ذلك للتنبيه عَلَى تعديته ولو لم
يذكر مضارعه لكفي في ذلك والْقَوْل بأنه للإشَارَة إلَى بابه أي باب فعل يفعل بفتح العين
والْمَاضي وضمها في الْمُضَارِع غير تام لعدم التصريح بذلك ولكون مجيء الصّفَة المشبهة
من هذا الباب نادرًا استشهد له فقال (كقوله نم ينم فهو نم) والنميمة رفع الْحَديث عَلَى
وجه الإفساد أي نم الْحَديث ينمه بالضم كما هُوَ الظَّاهر من الاستشهاد ويحتمل الكسر ولا
بد فيه من النقل أَيْضًا وفي ترك الْمَفْعُول إشَارَة إليه كذا قاله قدس سره، ولا يخفى أن
الأول أحرى بالإشَارَة إليه، فالأولى من رب يرب والاستشهاد إنما يتم إذا كان ذلك الْكَلَام