قوله: (استقر عليهم اللعن من الله ومن يعتد بلعنه من خلقه) استقر الخ. إشَارَة إلَى أن
التَّعْبير هنا بالْجُمْلَة الاسمية للتنبيه عَلَى استقرار اللعن عليهم بعد حدوثه بخلاف ما سبق
فإن الْمُرَاد به هناك حدوثه وتجدده فلا تكرار ومن يعتد الخ. يعني أن الْمُرَاد بالنَّاس الْمُؤْمنُونَ
إذ اللام في النَّاس للجنس، والْمُرَاد به الكاملون في الْإنْسَانيَّة لأنه كما يستعمل لمسماه مُطْلَقًا
كَذَلكَ يستعمل أَيْضًا لما يستجمع الْمَعَاني الْمَخْصُوصة به؛ ولذلك يسلب عن غيره فيقال زيد
ليس بإنسان، وكلامه فيما سبق من قوله. والثقلين يقتضي تعميم النَّاس إلَى الجن بأن يراد به
الناسي كما أشار إليه في سورة المعوذتين، فالأولى ذكر النَّاس بدل الثقلين، والْمُرَاد بمن يعتد
به بلعنه الْمَلَائكَة والْمُؤْمنُونَ من الْإنْسَان، فعلى ما اختاره المص فالْجُمْلَة عديلة لقوله(إلا
الَّذينَ تابوا)فبقي غير التائبين ملعونين فيكون ذكر هذه الْجُمْلَة تصريحًا بما علم التزامًا؛ لأن
الاستثناء مشتملة عَلَى جملتين [إحْدَاهُمَا] مثبتة والأخرى منفية عند المص قيل فالآية مشتملة
على حَقيقَة الجمع مع التفريق جمع الكاتمين في حكم واحد وهو أنهم ملعونون، ثم فرق
فقال أما الَّذينَ تابوا فقد تاب الله عليهم وأزال عنهم عقوبة اللعنة، والَّذينَ لم يتوبوا وماتوا
على الكتمان فقد استقر اللعنة ولم ينزل عنهم، وأنت خبير بأن هذا لا ينتظم عَلَى الوجه
الأخير، وهو أن الأول لعنهم أحياء وهذا لعنهم أمواتًا، وقد اختاره بعضهم بل الأول أَيْضًا لأن
الْمُرَاد بالأول بيان لحدوث اللعنة والثاني بيان استقرارها وثباتها وعن هذا اخْتيرَ الْجُمْلَة
الفعلية في الأول والاسمية في الثاني فهذا ليس من باب الجمع والتفريق، وإنَّمَا لم يعطف
الْجُمْلَة الثانية لكمال التباين بين الفريقين وأكد بأن للمُبَالَغَة في وقوعه والاستثناء متصل؛
لأن الْمُرَاد باللعن دوام اللعن عَلَى سبيل التجدد كما يدل عليه صيغة الْمُضَارِع لا الدوام عَلَى
سبيل الثبوت كما يدل عليه دلالة عَقْليَّة الْجُمْلَة الاسمية، والْقَوْل إنه منقطع لأنه ليس للإخراج
عن الحكم السابق بناء عَلَى ملاحظة اللعن مُطْلَقًا وعدم ملاحظة اسْتمْرَاره وذهب الإمام إلَى
أن الموصول عام، فلا وجه لتَخْصيصه لأن الكاتمين الَّذينَ ماتوا عَلَى الكفر داخل تحت قوله
(أُولَئكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعنُونَ) ولما دخلوا استغنى عن ذكرهم فيجب
حمل الْكَلَام عَلَى أمر مستأنف ولم يرض به المص لما مَرَّ من أن دخول من لم يتب في قوله
تَعَالَى: (أُولَئكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ) غير مسلم عنده إما بأن يقال بأن الأول لعنهم
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: ومن يعد بلعنه جواب عَمَّا عسى يسأل، ويقال ما معنى قوله (والنَّاس أَجْمَعينَ) وفي
النَّاس مسلم وكافر والكافر لا يلعن الكافر، فعلى هذا لا يلعنهم جميع النَّاس فَكَيْفَ أكد النَّاس
بأَجْمَعينَ؟ وتقرير الْجَوَاب أن الْمُرَاد بالنَّاس من يعتد بلعنه ويؤثر لعنه وهم المسلمون منهم، فكأن من
سوى الْمُسْلمينَ منهم ليس ناسًا أو التَّأْكيد به لإحاطة ذلك البعض الذي يعتد بلعنه .