على مسلك آخر، والتَّفْصيل في أصول الفقه، وإنما قال تقرير للوحدانية لأن الوحدة علم من
قوله: إلَهٌ وَاحدٌ وهذا يفيد حصر الْأُلُوهيَّة في ذاته تَعَالَى لوجود النفي والْإثْبَات سواء كان
الْمَعْنَى لا إله موجود إلا الله أو لا إله ممكن إلا الله، وأما قوله وإلَهُكُمْ إلَهٌ وَاحدٌ فلا يفيد
الحصر لعدم أداة القصر، ويمكن أن يقال: إن إضافة الإله إلَى ضمير المخاطب للجنس فيفيد
حصر جنس الإله عَلَى إلَهٌ وَاحدٌ. قال المص في سورة حم الْمُؤْمن في قَوْله تَعَالَى(ربي
اللَّه)وحده وهو في الدلالة عَلَى الحصر مثل صديقي زيد انتهى. أي الْإضَافَة
للجنس فيفيد الحصر وكذا هنا فكما علم من قوله إلَهٌ وَاحدٌ الْأُلُوهيَّة كَذَلكَ علم أيضًا
انحصار الْأُلُوهيَّة في ذاته فيكون لَا إلَهَ إلَّا هُوَ تقريرًا للوحدانية وتأكيدًا لما فهم من
(وَإلَهُكُمْ إلَهٌ وَاحدٌ) ولذا اخْتيرَ الفصل.
قوله: (وإزاحة لأن يتوهم أن في الوجود إلهًا ولكن لا يستحق منهم الْعبَادَة) هذا معنى
التقرير والتَّأْكيد؛ إذ التَّأْكيد إنما يكون لغرض وهنا الغرض دفع التوهم ومنشأً التوهم الْمَذْكُور
هنا كون وحدة الإله مقيدة بالْإضَافَة إلَى المخاطبين فهذه الوحدة لا تقتضي وحدة الإله
مُطْلَقًا؛ ولذا قال إن في الوجود إلهًا ولكن لا يستحق منهم الْعبَادَة وهذا التوهم وإن كان
باطلًا لأنه إذا كان في الوجود إلهًا يستحق منهم الْعبَادَة لا محالة لكن دفعه أهم في مقام
التوحيد. قوله في الوجود إلهًا إشَارَة إلَى أن الخبر الْمَحْذُوف موجود في لا إله دون ممكن
قوله: إلا هُوَ. بدل من اسم لا عَلَى المحل بعد النقض بـ (إلا) أو بدل من ضمير مرفوع مستتر
في الخبر، ونقل عن صاحب الكَشَّاف أن الخبر ليس بمَحْذُوف بل هُوَ قوله إلا هُوَ وسيأتي
تفصيله في [آية] الكرسي إن شاء اللَّه تَعَالَى.
قوله: (كالحجة عليها فإنه لما كان مولى النعم كلها) كالحجة لعل إدخال الكاف
لعدم إبرازه في صورة الحجة وإلا فهي حجة عَلَى أن غيره تَعَالَى لعدم اتصاف بتلك
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: وإزاحة لأن يتوهم أن في الوجود إلهًا ولكن لا يستحق منهم الْعبَادَة. أقول: قوله هذا
مبني عَلَى أن يراد بالمنفي في لَا إلَهَ إلَّا هُوَ جنس الإله سوى الله تَعَالَى، وليس كَذَلكَ لوجود الآلهة
الباطلة سواه تَعَالَى، بل المنفي هُوَ الإله الحق سوى الله تَعَالَى وإن معناه لا معبود بالحق في الوجود
إلا هُوَ فإذن لا يكون فيه إزاحة لذلك الوهم الذي ذكره وإن ادعى أن اسم الإله لا يطلق عَلَى
المعبودات الباطلة لم يكن لتَخْصيص إزاحة الوهم بقوله لَا إلَهَ إلَّا هُوَ، وجه لحصول الإزاحة حِينَئِذٍ
بما قبله أَيْضًا وهو قوله عز وجل: (وإلَهُكُمْ إلَهٌ وَاحدٌ) عَلَى أن اسم الإله يطلق
لغة ووضعا عَلَى مطلق المعبود حقًا كان أو باطلًا وناهيك قول صاحب الكَشَّاف والإله من أسماء
الأجناس كالرجل والفرس اسم يقع عَلَى كل معبود بحق أو باطل ثم غلب عَلَى المعبود بحق، وقال
المص رحمه الله والإله في أصله لكل معبود ثم غلب عَلَى المعبود بالحق. أقول: معنى الغلبة إنما هو
في الإله معرفًا باللام كالنجم والصعق، وأما المنكر كما هُوَ هَاهُنَا كَذَلكَ فلا غلبة فيه بل هُوَ عَلَى
أصل العموم فجاء الإشكال في نفي جنس الإله سوى الله تَعَالَى فوجب أن يصار إلَى حصر الْكَمَال
كما في قولك لا رجل إلا زيد فكان من عداه لقصوره في صفة الرجولية ليس برجل لكن حِينَئِذٍ لا
وجه لتَخْصيص إزاحة الوهم بقوله (لَا إلَهَ إلَّا هُوَ) لحصولها بما قبله أَيْضًا.